- تراجع أسعار النفط يخفف الضغط على الميزانية ويقلص الاقتراض الخارجي
تشهد الأسواق العالمية للنفط تطورات متسارعة تؤثر بشكل مباشر على اقتصادات الدول، خاصة تلك التي تعتمد على استيراد المحروقات لتلبية احتياجاتها الطاقية، ومنها تونس، فقد تراجعت أسعار النفط، أمس الخميس، بعد مكاسب حققتها في الجلسة السابقة، إذ أدى تصاعد الحرب التجارية والرسوم الجمركية إلى مخاوف بشأن تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وانخفاض الطلب على الطاقة.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.08 % لتبلغ 70.89 دولارًا للبرميل، في حين تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 0.15 % لتصل إلى 67.58 دولارًا للبرميل.
ورغم هذا التراجع، أبقت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) على توقعاتها لنمو قوي في الطلب العالمي على النفط خلال عام 2025، مدفوعة بزيادة استهلاك الطاقة في قطاعي النقل البري والجوي. كما أظهرت بيانات «أوبك» زيادة في إنتاج تحالف «أوبك+» بمقدار 363 ألف برميل يوميًا خلال شهر فيفري.
ميزانية تونس بين فرضيات 77 دولارًا وتراجع الأسعار
وقدرت ميزانية تونس لعام 2025 بحوالي 78.2 مليار دينار مسجلة زيادة بحوالي 2.5 مليار دينار مقارنة بالنتائج المحينة لميزانية عام 2024. وقد وضعت الحكومة فرضية سعر 77.4 دولارًا لبرميل النفط كأساس لتوقعاتها المالية، علما وأنها كانت في حدود 81 دولارا للبرميل عام 2024 ، وكل زيادة بدولار تكبد الدولة خسارة قدرها 140 مليون دينار في الميزانية .
لكن مع تراجع أسعار النفط إلى ما دون 70 دولارًا، يمكن أن يكون لهذا الانخفاض انعكاسات إيجابية ملموسة على المالية العامة للدولة. ففي ظل العجز المالي الذي تعاني منه تونس، فإن أي تراجع في أسعار النفط من شأنه أن يخفف الضغط على الميزانية ويقلل من الحاجة إلى مزيد من الاقتراض الخارجي أو فرض ضرائب إضافية على المواطنين.
انخفاض فاتورة استيراد المحروقات
وتعتمد تونس بشكل رئيسي على استيراد النفط لتغطية احتياجاتها الطاقية، حيث شهدت أسعار المحروقات ارتفاعًا ملحوظًا خلال عامي 2022 و2023، مما أدى إلى زيادة الأعباء المالية على الحكومة والمواطنين. ومع انخفاض سعر برميل النفط إلى أقل من 70 دولارًا، ستتمكن تونس من تقليل المبالغ المخصصة لاستيراد المحروقات، مما يخفف الضغط على الميزانية العامة.
وفي السنوات الأخيرة، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تفاقم عجز الميزانية التونسية، حيث اضطرت الحكومة إلى زيادة حجم الدعم الموجه للمحروقات، والذي بلغ حوالي 7 مليارات دينار في عام 2023، بعد أن كان مخططًا عند 5.6 مليار دينار.
وقد أدى ذلك إلى زيادة الأعباء المالية على الدولة، خاصة في ظل صعوبة تونس في الحصول على تمويلات خارجية بأسعار فائدة معقولة. ومع تراجع أسعار النفط، ستتمكن الدولة من تقليص حجم الدعم الموجه للمحروقات، مما يساهم في تخفيف العجز المالي وتحسين قدرة الحكومة على تمويل مشاريعها التنموية.
استقرار أسعار السلع والخدمات
ويؤثر سعر النفط بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج والنقل، مما ينعكس على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية. في الفترة الماضية، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة التضخم وخفض القدرة الشرائية للمواطنين التونسيين، حيث ارتفعت أسعار المحروقات بنسبة 20 % في عام 2023 مقارنة بعام 2022. ومع انخفاض أسعار النفط، من المتوقع أن تستقر تكاليف النقل والإنتاج، مما قد يؤدي إلى تباطؤ وتيرة التضخم، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية.
تحسن قيمة الدينار التونسي
وأدى ارتفاع أسعار النفط في السنوات الماضية إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية لتمويل واردات الطاقة، مما ساهم في تراجع قيمة الدينار التونسي مقابل الدولار واليورو. ومع انخفاض أسعار النفط، ستقل حاجة تونس إلى شراء كميات كبيرة من النقد الأجنبي، مما قد يدعم استقرار أو حتى تحسن قيمة الدينار، وبالتالي خفض تكلفة الواردات وتحسين التوازنات المالية، فضلا عن تخفيف الأعباء عن المؤسسات الوطنية للطاقة، حيث تواجه الشركة التونسية للكهرباء والغاز والشركة التونسية لصناعة التكرير صعوبات مالية كبيرة بسبب ارتفاع أسعار النفط، مما دفع الحكومة إلى ضخ حوالي 3.6 مليار دينار لدعم الأولى و3.3 مليار دينار لدعم الثانية. ومع انخفاض أسعار النفط، من المرجح أن تتحسن أوضاع هذه المؤسسات، مما يقلل من الحاجة إلى ضخ أموال إضافية من الميزانية العامة لإنقاذها.
مواصلة تنفيذ الإصلاحات
ورغم الانعكاسات الإيجابية لتراجع أسعار النفط على ميزانية تونس، إلا أن هناك بعض التحديات التي يجب أخذها بعين الاعتبار، أبرزها تقلب الأسعار في الأسواق العالمية، حيث تظل أسعار النفط عرضة للتغيرات المفاجئة بسبب الأوضاع الجيوسياسية، مثل التوترات بين روسيا وأوكرانيا، والتطورات في الشرق الأوسط، والسياسات الاقتصادية للدول الكبرى مثل الصين والولايات المتحدة. وحتى مع انخفاض أسعار النفط، تحتاج تونس إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية هيكلية لضمان استدامة المالية العامة، مثل تعزيز الاستثمار في الطاقات البديلة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وإصلاح نظام الدعم لتوجيهه إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وإجمالا، يعد تراجع أسعار النفط إلى أقل من 70 دولارًا فرصة إيجابية لتونس من حيث تقليص العجز المالي، وخفض فاتورة استيراد المحروقات، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين. كما يمكن أن يساهم هذا التراجع في دعم استقرار سعر الدينار وتقليل الأعباء على المؤسسات الوطنية للطاقة.
ومع ذلك، فإن هذه الفرصة يجب أن تستغل بحكمة من خلال تنفيذ إصلاحات هيكلية تضمن استدامة المالية العامة، مثل تعزيز الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وتحسين كفاءة الدعم، وتنويع مصادر الطاقة بما يضمن استقرار الاقتصاد التونسي على المدى الطويل.
سفيان المهداوي
- تراجع أسعار النفط يخفف الضغط على الميزانية ويقلص الاقتراض الخارجي
تشهد الأسواق العالمية للنفط تطورات متسارعة تؤثر بشكل مباشر على اقتصادات الدول، خاصة تلك التي تعتمد على استيراد المحروقات لتلبية احتياجاتها الطاقية، ومنها تونس، فقد تراجعت أسعار النفط، أمس الخميس، بعد مكاسب حققتها في الجلسة السابقة، إذ أدى تصاعد الحرب التجارية والرسوم الجمركية إلى مخاوف بشأن تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وانخفاض الطلب على الطاقة.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.08 % لتبلغ 70.89 دولارًا للبرميل، في حين تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 0.15 % لتصل إلى 67.58 دولارًا للبرميل.
ورغم هذا التراجع، أبقت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) على توقعاتها لنمو قوي في الطلب العالمي على النفط خلال عام 2025، مدفوعة بزيادة استهلاك الطاقة في قطاعي النقل البري والجوي. كما أظهرت بيانات «أوبك» زيادة في إنتاج تحالف «أوبك+» بمقدار 363 ألف برميل يوميًا خلال شهر فيفري.
ميزانية تونس بين فرضيات 77 دولارًا وتراجع الأسعار
وقدرت ميزانية تونس لعام 2025 بحوالي 78.2 مليار دينار مسجلة زيادة بحوالي 2.5 مليار دينار مقارنة بالنتائج المحينة لميزانية عام 2024. وقد وضعت الحكومة فرضية سعر 77.4 دولارًا لبرميل النفط كأساس لتوقعاتها المالية، علما وأنها كانت في حدود 81 دولارا للبرميل عام 2024 ، وكل زيادة بدولار تكبد الدولة خسارة قدرها 140 مليون دينار في الميزانية .
لكن مع تراجع أسعار النفط إلى ما دون 70 دولارًا، يمكن أن يكون لهذا الانخفاض انعكاسات إيجابية ملموسة على المالية العامة للدولة. ففي ظل العجز المالي الذي تعاني منه تونس، فإن أي تراجع في أسعار النفط من شأنه أن يخفف الضغط على الميزانية ويقلل من الحاجة إلى مزيد من الاقتراض الخارجي أو فرض ضرائب إضافية على المواطنين.
انخفاض فاتورة استيراد المحروقات
وتعتمد تونس بشكل رئيسي على استيراد النفط لتغطية احتياجاتها الطاقية، حيث شهدت أسعار المحروقات ارتفاعًا ملحوظًا خلال عامي 2022 و2023، مما أدى إلى زيادة الأعباء المالية على الحكومة والمواطنين. ومع انخفاض سعر برميل النفط إلى أقل من 70 دولارًا، ستتمكن تونس من تقليل المبالغ المخصصة لاستيراد المحروقات، مما يخفف الضغط على الميزانية العامة.
وفي السنوات الأخيرة، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تفاقم عجز الميزانية التونسية، حيث اضطرت الحكومة إلى زيادة حجم الدعم الموجه للمحروقات، والذي بلغ حوالي 7 مليارات دينار في عام 2023، بعد أن كان مخططًا عند 5.6 مليار دينار.
وقد أدى ذلك إلى زيادة الأعباء المالية على الدولة، خاصة في ظل صعوبة تونس في الحصول على تمويلات خارجية بأسعار فائدة معقولة. ومع تراجع أسعار النفط، ستتمكن الدولة من تقليص حجم الدعم الموجه للمحروقات، مما يساهم في تخفيف العجز المالي وتحسين قدرة الحكومة على تمويل مشاريعها التنموية.
استقرار أسعار السلع والخدمات
ويؤثر سعر النفط بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج والنقل، مما ينعكس على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية. في الفترة الماضية، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة التضخم وخفض القدرة الشرائية للمواطنين التونسيين، حيث ارتفعت أسعار المحروقات بنسبة 20 % في عام 2023 مقارنة بعام 2022. ومع انخفاض أسعار النفط، من المتوقع أن تستقر تكاليف النقل والإنتاج، مما قد يؤدي إلى تباطؤ وتيرة التضخم، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية.
تحسن قيمة الدينار التونسي
وأدى ارتفاع أسعار النفط في السنوات الماضية إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية لتمويل واردات الطاقة، مما ساهم في تراجع قيمة الدينار التونسي مقابل الدولار واليورو. ومع انخفاض أسعار النفط، ستقل حاجة تونس إلى شراء كميات كبيرة من النقد الأجنبي، مما قد يدعم استقرار أو حتى تحسن قيمة الدينار، وبالتالي خفض تكلفة الواردات وتحسين التوازنات المالية، فضلا عن تخفيف الأعباء عن المؤسسات الوطنية للطاقة، حيث تواجه الشركة التونسية للكهرباء والغاز والشركة التونسية لصناعة التكرير صعوبات مالية كبيرة بسبب ارتفاع أسعار النفط، مما دفع الحكومة إلى ضخ حوالي 3.6 مليار دينار لدعم الأولى و3.3 مليار دينار لدعم الثانية. ومع انخفاض أسعار النفط، من المرجح أن تتحسن أوضاع هذه المؤسسات، مما يقلل من الحاجة إلى ضخ أموال إضافية من الميزانية العامة لإنقاذها.
مواصلة تنفيذ الإصلاحات
ورغم الانعكاسات الإيجابية لتراجع أسعار النفط على ميزانية تونس، إلا أن هناك بعض التحديات التي يجب أخذها بعين الاعتبار، أبرزها تقلب الأسعار في الأسواق العالمية، حيث تظل أسعار النفط عرضة للتغيرات المفاجئة بسبب الأوضاع الجيوسياسية، مثل التوترات بين روسيا وأوكرانيا، والتطورات في الشرق الأوسط، والسياسات الاقتصادية للدول الكبرى مثل الصين والولايات المتحدة. وحتى مع انخفاض أسعار النفط، تحتاج تونس إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية هيكلية لضمان استدامة المالية العامة، مثل تعزيز الاستثمار في الطاقات البديلة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وإصلاح نظام الدعم لتوجيهه إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وإجمالا، يعد تراجع أسعار النفط إلى أقل من 70 دولارًا فرصة إيجابية لتونس من حيث تقليص العجز المالي، وخفض فاتورة استيراد المحروقات، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين. كما يمكن أن يساهم هذا التراجع في دعم استقرار سعر الدينار وتقليل الأعباء على المؤسسات الوطنية للطاقة.
ومع ذلك، فإن هذه الفرصة يجب أن تستغل بحكمة من خلال تنفيذ إصلاحات هيكلية تضمن استدامة المالية العامة، مثل تعزيز الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وتحسين كفاءة الدعم، وتنويع مصادر الطاقة بما يضمن استقرار الاقتصاد التونسي على المدى الطويل.