إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

كابوس و«زلزال» اجتماعي يحتاج إلى حلول جذرية.. أكثر من 250 ألف محكوم بالنفقة.. آثار مدمرة وكارثية..

-باحث في علم الاجتماع لـ«الصباح»: أزمة الطلاق والنفقة مرآة تعكس تحولات عميقة تعيشها الأسرة التونسية

-القانون «متهم» بالانحياز للمرأة

 

  256 ألف محكوم بالنفقة اغلبهم مودعون بالسجون رقم كبير يعكس أزمة الانفصال بين الأزواج ومرحلة ما بعد الطلاق حيث يجد في معظم الحالات الأزواج أنفسهم أمام مواجهة ذلك السيف المسلط على رقابهم خاصة ذوو الدخل المحدود الذين يعجزون عن دفع النفقة فينتهي المطاف بأغلبهم فقدان حريتهم ثمنا لديون النفقة، فيكون السجن مصير الزوج الذي لا يسدد النفقة، بينما يجد آخرون طريقا اخر للهروب من قبضة القانون فيختارون المجازفة بحياتهم عبر رحلة غير نظامية محفوفة بالمخاطر فتكون «الحرقة» المنفذ الوحيد للهروب من السجن في حين تنتهي أمام البعض الآخر حلول الأرض والسماء فيهربون من الحياة الى الموت ويكون خيارهم الانتحار لإنهاء المعاناة.

معضلة النفقة معضلة مطروح بشدة إذ يعتبر اغلب الأزواج التونسيين وحتى بعض النشطاء في المجتمع المدني ان القانون انحاز للمرأة و»ظلم الرجل» في هذا الجانب إذ يرى اغلبهم ان من واجب القانون إلزام المرأة خاصة ذات الدخل القار بالنفقة في حال وقع الطلاق بين الزوجين مثلها مثل الرجل.

وعلى الرغم من أن المتعارف عليه أنه في حالات الانفصال الذي يسبق مرحلة الطلاق وبعد مرحلة الطلاق الزوج هو من يكون عادة ملزما بدفع النفقة ولكن القانون لم يستثن المرأة من دفعها اذا ما كان بوسعها فعل ذلك، وقد صدر حكم

 خلال 2017 وكان سابقة في تاريخ القضاء التونسي وكسر الصورة النمطية التي تصور الرجل هو الطرف الوحيد الملزم بدفع النفقة، عندما أصدرت الدائرة 27 بالمحكمة الابتدائية بتونس بوصفها محكمة استئناف لأحكام النواحي حكما قضائيا يقضي بإجبار مطلقة بدفع نفقة تقدّر بـ150 دينارا لطليقها وأبنائها وبررت المحكمة حكمها بأن الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية “يحتّم على المرأة أن تساهم في القيام بنفقة العائلة في حال توفر لها المال استنادا إلى الفقه الإسلامي والدستور التونسي والظرفية التاريخية لتنقيح مجلة الأحوال الشخصية لسنة 1993 وفقه القضاء» وجاء ذلك إثر رفع طليقها قضية في الغرض.

مناشير تفتيش..

أمام ارتفاع عدد المحكومين في قضايا النفقة القابعين بالسجون فضلا عن الألف الآخرين الصادرة ضدهم مناشير تفتيش خاصة وان إحصائيات كان كشف عنها في تصريح صحفي خلال 2023 رفيق نور بالكيلاني رئيس جمعية أطفال تونس تشير الى أنّ هناك 517 ألف شخص مفتش عنهم في قضايا نفقة وإهمال عيال بالإضافة الى 10 آلاف موقوف في السجون ومن بين هؤلاء شيوخ تتراوح أعمارهم بين 70 و75 سنة اشتكاهم أبناؤهم بسبب عجزهم عن تسديد معاليم النفقة.

مبادرة تشريعية..

وتجدر الإشارة الى ان الكتلة الوطنية المستقلة بمجلس نواب الشعب المتكونة من 21 نائبا تقدمت مؤخرا بمبادرة تشريعية لدى البرلمان تتمثل في مشروع قانون يتعلق بعفو عام يهم المطالبين بديون ترتبت عن أحكام النفقة وجراية الطلاق.

ويتكون مشروع القانون من 3 فصول، ويهدف العفو، المطروح صلب المقترح كحل مؤقت، إلى «تخفيف معاناة الأفراد المطالبين بالنفقة وجراية الطلاق»، الذين ذكرت الكتلة أن إحصائيات شبه رسمية حصرت عددهم في حدود 256 ألف شخص، وفق ما جاء في نص شرح الأسباب. وكانت رئاسة الحكومة أعلنت ان مجلسا وزاريا مضيقا حول دعم التماسك الأسري، أوصى بإحداث نظام جديد للنفقة وجراية الطلاق وبعث خطّة «الموفّق الأسري» توكل له مهمّة التوفيق والوساطة الأسرية.

أزمة تنتهي وأخرى تحل..

فشل العلاقات الزوجية لا ينتهي بانتهاء انفصال الزوجين بالطلاق وإلقاء المسالة بضلالها على الأطفال ان وجدوا بل تنتهي أزمة ليجد الزوج خاصة نفسه امام أزمة جديدة باعتبار أنه الملزم وفق القانون بدفع النفقة التي أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على اغلب المطلقين.

 يعتبر المختص في علم الاجتماع ممدوح عز الدين ان الطلاق والنفقة في تونس أزمة مجتمعية بين تفكك الأسرة وانهيار القيم، ولاحظ انه في السنوات الأخيرة، أصبحت تونس تسجل أرقامًا مفزعة في نسب الطلاق، حيث بلغت سنة 2023 حوالي 14 ألف حالة طلاق، بمعدل يفوق 38 حالة يوميًا، معتبرا أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد شأن خاص يتعلق بأفراد اتخذوا قرار الانفصال، بل تحولت إلى معضلة اجتماعية ذات تداعيات خطيرة، خاصة فيما يتعلق بقضايا النفقة والصراعات القانونية التي تلي الطلاق. ففي الوقت الذي تكافح فيه بعض النساء للحصول على النفقة بعد الطلاق، نجد أعدادًا متزايدة من الرجال يتهربون من دفعها، بينما يعجز آخرون عن الإيفاء بالتزاماتهم المالية، مما يقودهم في كثير من الحالات إلى السجن. والأخطر من ذلك، أن بعض المطلقين، بعد أن ضاقت بهم السبل، يختارون الهجرة السرية أو حتى الانتحار، احتجاجًا على ما يعتبرونه «قهرًا قانونيًا واجتماعيًا». في المقابل، هناك أصوات تتهم بعض النساء باستغلال القوانين لتحقيق مكاسب مادية، مما يغذي الإحساس بأن التشريعات منحازة لفائدتهن.

طلاق بلا نهاية.. معركة النفقة تبدأ!

وأضاف انه بعد الطلاق، لا تنتهي القصة، بل تبدأ معركة جديدة حول النفقة، وفقًا للقانون التونسي، فإن الزوج مُلزم بتوفير نفقة أبنائه، وتشمل المصاريف الأساسية مثل الغذاء، السكن، والتعليم لكن تطبيق هذا القانون على أرض الواقع يواجه صعوبات عديدة، حيث تتزايد حالات التهرب من الدفع، سواء عبر العمل في القطاع غير المهيكل، أو الانتقال إلى الخارج، أو حتى تزوير الدخل الحقيقي أمام المحاكم.

في حالات أخرى، يواجه بعض الرجال ضغوطًا مادية خانقة تجعلهم غير قادرين على دفع النفقة، ما يعرضهم لعقوبات سجنية تزيد من معاناتهم بدل إيجاد حلول فعلية. حسب بيانات وزارة العدل، فإن مئات الآباء يقبعون في السجون التونسية بسبب عجزهم عن دفع النفقة، ما يفتح باب التساؤل حول جدوى العقوبات الزجرية كوسيلة لحل الأزمة.

أزمة الأسرة.. من التضامن إلى النزاعات القضائية

ولاحظ عز الدين ان أزمة الطلاق والنفقة ليست سوى مرآة تعكس تحولات عميقة تعيشها الأسرة التونسية، فالمؤسسة العائلية، التي كانت تقوم تقليديًا على التضامن والتكافل، أصبحت اليوم مساحة للصراعات الحقوقية، حيث تُفسَّر القوانين بطرق متباينة بين الجنسين، ما يعمّق الفجوة بين الرجل والمرأة بعد الطلاق.

من جهة أخرى، تلعب النزعة الفردانية دورًا كبيرًا في تفكك العلاقات الأسرية، حيث باتت فكرة الزواج تُبنى على تحقيق الإشباع الشخصي بدل بناء مشروع مشترك يقوم على المسؤولية المتبادلة. هذه التحولات جعلت الطلاق أمرًا شائعًا، لكنه يترك خلفه آثارًا اجتماعية ونفسية واقتصادية يصعب احتواؤها.

معاناة الرجال بعد الطلاق..

لا يمكن إنكار أن العديد من الرجال يعيشون أوضاعًا مأساوية بعد الطلاق، فبين التزامات النفقة، والضغوط المعيشية، والإحساس بأن القانون لا يراعي إمكانياتهم المالية، يجد البعض أنفسهم في مواجهة خيارات قاتلة. فقد تم تسجيل حالات انتحار بسبب الإحساس بالقهر والعجز عن الإيفاء بالالتزامات المالية، في حين يختار آخرون ركوب قوارب الهجرة غير النظامية، بحثًا عن ملاذ اقتصادي يقيهم من الملاحقات القضائية.

ماذا عن النساء والأطفال؟

في الجانب الآخر، تواجه النساء المطلقات تحديات لا تقل صعوبة، خاصة عندما يتخلى الأزواج السابقون عن مسؤولياتهم المادية. فالكثير من الأمهات يجدن أنفسهن مضطرات لتحمل العبء المالي وحدهن، ما يدفع بعضهن إلى العمل لساعات طويلة في ظروف قاسية لتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم لأطفالهن. أما الأطفال، فهم الضحايا الحقيقيون لهذه النزاعات، حيث يعانون من غياب أحد الأبوين، وعدم الاستقرار العاطفي، وأحيانًا العيش في فقر بسبب عدم التزام الأب بالنفقة. تشير دراسات اجتماعية إلى أن الأطفال الذين ينشأون في بيئة نزاعية بعد الطلاق يكونون أكثر عرضة للاضطرابات النفسية، وضعف التحصيل الدراسي، وحتى الانحراف في بعض الحالات.

كيف يمكن احتواء الأزمة؟

أمام هذه الأزمة المتفاقمة يرى المختص في علم الاجتماع انه بات من الضروري البحث عن حلول واقعية ومتوازنة تأخذ بعين الاعتبار مصلحة جميع الأطراف ومن بين المقترحات الممكنة حسب رأيه ضرورة مراجعة القوانين عن طريق تعديل التشريعات الخاصة بالنفقة، بحيث تراعي الوضعية الاقتصادية للطرفين، مع إيجاد بدائل للعقوبات السجنية مثل الاقتطاع المباشر من الدخل أو فرض أعمال اجتماعية. وتعزيز الوساطة الأسرية بإنشاء مراكز متخصصة للوساطة العائلية قبل الطلاق، بهدف تقليل النزاعات والخروج بحلول ودية للطرفين.

ودعم المطلقين اقتصاديًا ونفسيا بتوفير برامج تشغيل للعاجزين منهم عن الدفع، ودورات تأهيل نفسي لمساعدتهم على التكيف مع التغيرات الجديدة في حياتهم.

ومن بين الحلول الأخرى التي براها تعزيز ثقافة المسؤولية الأسرية عبر حملات توعوية وبرامج تربوية تُرسّخ قيم التضامن الأسري، حتى بعد انتهاء العلاقة الزوجية.

زلزال اجتماعي..

وخلص المتحدث ملاحظا ان الطلاق لم يعد مجرد قرار شخصي، بل تحول إلى قضية مجتمعية تتطلب تدخلاً شاملاً من الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات التربوية. فبين النزاعات القضائية، والعجز عن دفع النفقة، والضغوط النفسية التي يعيشها المطلقون والمطلقات، تبقى الأسرة التونسية في قلب زلزال اجتماعي يحتاج إلى حلول جذرية، تضمن حقوق الجميع دون أن يكون أحد الطرفين ضحية لثغرات قانونية أو ضغوط اقتصادية لا ترحم.

وينص الفصل 53 من مجلة الأحوال الشخصية انه «إذا تعدّد المستحقون للنفقة ولم يستطع المنفق القيام بالإنفاق عليهم جميعا، قدّمت الزوجة على الأولاد والأولاد الصغار على الأصول.

اما الفصل 53 مكرر فيشير الى ان» كل من حكم عليه بالنفقة أو بجراية الطلاق فقضى عمدا شهرا دون دفع ما حكم عليه بأدائه يعاقب بالسجن مدّة تتراوح بين ثلاثة أشهر وعام وبخطية من مائة دينار (100د) إلى ألف دينار (1000د).» والأداء يوقف التتبعات أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب. ويتولّى صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق دفع مبالغ النفقة أو جراية الطلاق الصادرة بها أحكام باتة تعذر تنفيذها لفائدة المطلقات وأولادهن من المحكوم عليه بسبب تلدّده وذلك وفقا للشروط المنصوص عليها بالقانون المحدث للصندوق. ويحلّ هذا الأخير محل المحكوم لهم في استخلاص المبالغ التي دفعها.

صباح الشابي

كابوس و«زلزال» اجتماعي يحتاج إلى حلول جذرية.. أكثر من 250 ألف محكوم بالنفقة.. آثار مدمرة وكارثية..

-باحث في علم الاجتماع لـ«الصباح»: أزمة الطلاق والنفقة مرآة تعكس تحولات عميقة تعيشها الأسرة التونسية

-القانون «متهم» بالانحياز للمرأة

 

  256 ألف محكوم بالنفقة اغلبهم مودعون بالسجون رقم كبير يعكس أزمة الانفصال بين الأزواج ومرحلة ما بعد الطلاق حيث يجد في معظم الحالات الأزواج أنفسهم أمام مواجهة ذلك السيف المسلط على رقابهم خاصة ذوو الدخل المحدود الذين يعجزون عن دفع النفقة فينتهي المطاف بأغلبهم فقدان حريتهم ثمنا لديون النفقة، فيكون السجن مصير الزوج الذي لا يسدد النفقة، بينما يجد آخرون طريقا اخر للهروب من قبضة القانون فيختارون المجازفة بحياتهم عبر رحلة غير نظامية محفوفة بالمخاطر فتكون «الحرقة» المنفذ الوحيد للهروب من السجن في حين تنتهي أمام البعض الآخر حلول الأرض والسماء فيهربون من الحياة الى الموت ويكون خيارهم الانتحار لإنهاء المعاناة.

معضلة النفقة معضلة مطروح بشدة إذ يعتبر اغلب الأزواج التونسيين وحتى بعض النشطاء في المجتمع المدني ان القانون انحاز للمرأة و»ظلم الرجل» في هذا الجانب إذ يرى اغلبهم ان من واجب القانون إلزام المرأة خاصة ذات الدخل القار بالنفقة في حال وقع الطلاق بين الزوجين مثلها مثل الرجل.

وعلى الرغم من أن المتعارف عليه أنه في حالات الانفصال الذي يسبق مرحلة الطلاق وبعد مرحلة الطلاق الزوج هو من يكون عادة ملزما بدفع النفقة ولكن القانون لم يستثن المرأة من دفعها اذا ما كان بوسعها فعل ذلك، وقد صدر حكم

 خلال 2017 وكان سابقة في تاريخ القضاء التونسي وكسر الصورة النمطية التي تصور الرجل هو الطرف الوحيد الملزم بدفع النفقة، عندما أصدرت الدائرة 27 بالمحكمة الابتدائية بتونس بوصفها محكمة استئناف لأحكام النواحي حكما قضائيا يقضي بإجبار مطلقة بدفع نفقة تقدّر بـ150 دينارا لطليقها وأبنائها وبررت المحكمة حكمها بأن الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية “يحتّم على المرأة أن تساهم في القيام بنفقة العائلة في حال توفر لها المال استنادا إلى الفقه الإسلامي والدستور التونسي والظرفية التاريخية لتنقيح مجلة الأحوال الشخصية لسنة 1993 وفقه القضاء» وجاء ذلك إثر رفع طليقها قضية في الغرض.

مناشير تفتيش..

أمام ارتفاع عدد المحكومين في قضايا النفقة القابعين بالسجون فضلا عن الألف الآخرين الصادرة ضدهم مناشير تفتيش خاصة وان إحصائيات كان كشف عنها في تصريح صحفي خلال 2023 رفيق نور بالكيلاني رئيس جمعية أطفال تونس تشير الى أنّ هناك 517 ألف شخص مفتش عنهم في قضايا نفقة وإهمال عيال بالإضافة الى 10 آلاف موقوف في السجون ومن بين هؤلاء شيوخ تتراوح أعمارهم بين 70 و75 سنة اشتكاهم أبناؤهم بسبب عجزهم عن تسديد معاليم النفقة.

مبادرة تشريعية..

وتجدر الإشارة الى ان الكتلة الوطنية المستقلة بمجلس نواب الشعب المتكونة من 21 نائبا تقدمت مؤخرا بمبادرة تشريعية لدى البرلمان تتمثل في مشروع قانون يتعلق بعفو عام يهم المطالبين بديون ترتبت عن أحكام النفقة وجراية الطلاق.

ويتكون مشروع القانون من 3 فصول، ويهدف العفو، المطروح صلب المقترح كحل مؤقت، إلى «تخفيف معاناة الأفراد المطالبين بالنفقة وجراية الطلاق»، الذين ذكرت الكتلة أن إحصائيات شبه رسمية حصرت عددهم في حدود 256 ألف شخص، وفق ما جاء في نص شرح الأسباب. وكانت رئاسة الحكومة أعلنت ان مجلسا وزاريا مضيقا حول دعم التماسك الأسري، أوصى بإحداث نظام جديد للنفقة وجراية الطلاق وبعث خطّة «الموفّق الأسري» توكل له مهمّة التوفيق والوساطة الأسرية.

أزمة تنتهي وأخرى تحل..

فشل العلاقات الزوجية لا ينتهي بانتهاء انفصال الزوجين بالطلاق وإلقاء المسالة بضلالها على الأطفال ان وجدوا بل تنتهي أزمة ليجد الزوج خاصة نفسه امام أزمة جديدة باعتبار أنه الملزم وفق القانون بدفع النفقة التي أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على اغلب المطلقين.

 يعتبر المختص في علم الاجتماع ممدوح عز الدين ان الطلاق والنفقة في تونس أزمة مجتمعية بين تفكك الأسرة وانهيار القيم، ولاحظ انه في السنوات الأخيرة، أصبحت تونس تسجل أرقامًا مفزعة في نسب الطلاق، حيث بلغت سنة 2023 حوالي 14 ألف حالة طلاق، بمعدل يفوق 38 حالة يوميًا، معتبرا أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد شأن خاص يتعلق بأفراد اتخذوا قرار الانفصال، بل تحولت إلى معضلة اجتماعية ذات تداعيات خطيرة، خاصة فيما يتعلق بقضايا النفقة والصراعات القانونية التي تلي الطلاق. ففي الوقت الذي تكافح فيه بعض النساء للحصول على النفقة بعد الطلاق، نجد أعدادًا متزايدة من الرجال يتهربون من دفعها، بينما يعجز آخرون عن الإيفاء بالتزاماتهم المالية، مما يقودهم في كثير من الحالات إلى السجن. والأخطر من ذلك، أن بعض المطلقين، بعد أن ضاقت بهم السبل، يختارون الهجرة السرية أو حتى الانتحار، احتجاجًا على ما يعتبرونه «قهرًا قانونيًا واجتماعيًا». في المقابل، هناك أصوات تتهم بعض النساء باستغلال القوانين لتحقيق مكاسب مادية، مما يغذي الإحساس بأن التشريعات منحازة لفائدتهن.

طلاق بلا نهاية.. معركة النفقة تبدأ!

وأضاف انه بعد الطلاق، لا تنتهي القصة، بل تبدأ معركة جديدة حول النفقة، وفقًا للقانون التونسي، فإن الزوج مُلزم بتوفير نفقة أبنائه، وتشمل المصاريف الأساسية مثل الغذاء، السكن، والتعليم لكن تطبيق هذا القانون على أرض الواقع يواجه صعوبات عديدة، حيث تتزايد حالات التهرب من الدفع، سواء عبر العمل في القطاع غير المهيكل، أو الانتقال إلى الخارج، أو حتى تزوير الدخل الحقيقي أمام المحاكم.

في حالات أخرى، يواجه بعض الرجال ضغوطًا مادية خانقة تجعلهم غير قادرين على دفع النفقة، ما يعرضهم لعقوبات سجنية تزيد من معاناتهم بدل إيجاد حلول فعلية. حسب بيانات وزارة العدل، فإن مئات الآباء يقبعون في السجون التونسية بسبب عجزهم عن دفع النفقة، ما يفتح باب التساؤل حول جدوى العقوبات الزجرية كوسيلة لحل الأزمة.

أزمة الأسرة.. من التضامن إلى النزاعات القضائية

ولاحظ عز الدين ان أزمة الطلاق والنفقة ليست سوى مرآة تعكس تحولات عميقة تعيشها الأسرة التونسية، فالمؤسسة العائلية، التي كانت تقوم تقليديًا على التضامن والتكافل، أصبحت اليوم مساحة للصراعات الحقوقية، حيث تُفسَّر القوانين بطرق متباينة بين الجنسين، ما يعمّق الفجوة بين الرجل والمرأة بعد الطلاق.

من جهة أخرى، تلعب النزعة الفردانية دورًا كبيرًا في تفكك العلاقات الأسرية، حيث باتت فكرة الزواج تُبنى على تحقيق الإشباع الشخصي بدل بناء مشروع مشترك يقوم على المسؤولية المتبادلة. هذه التحولات جعلت الطلاق أمرًا شائعًا، لكنه يترك خلفه آثارًا اجتماعية ونفسية واقتصادية يصعب احتواؤها.

معاناة الرجال بعد الطلاق..

لا يمكن إنكار أن العديد من الرجال يعيشون أوضاعًا مأساوية بعد الطلاق، فبين التزامات النفقة، والضغوط المعيشية، والإحساس بأن القانون لا يراعي إمكانياتهم المالية، يجد البعض أنفسهم في مواجهة خيارات قاتلة. فقد تم تسجيل حالات انتحار بسبب الإحساس بالقهر والعجز عن الإيفاء بالالتزامات المالية، في حين يختار آخرون ركوب قوارب الهجرة غير النظامية، بحثًا عن ملاذ اقتصادي يقيهم من الملاحقات القضائية.

ماذا عن النساء والأطفال؟

في الجانب الآخر، تواجه النساء المطلقات تحديات لا تقل صعوبة، خاصة عندما يتخلى الأزواج السابقون عن مسؤولياتهم المادية. فالكثير من الأمهات يجدن أنفسهن مضطرات لتحمل العبء المالي وحدهن، ما يدفع بعضهن إلى العمل لساعات طويلة في ظروف قاسية لتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم لأطفالهن. أما الأطفال، فهم الضحايا الحقيقيون لهذه النزاعات، حيث يعانون من غياب أحد الأبوين، وعدم الاستقرار العاطفي، وأحيانًا العيش في فقر بسبب عدم التزام الأب بالنفقة. تشير دراسات اجتماعية إلى أن الأطفال الذين ينشأون في بيئة نزاعية بعد الطلاق يكونون أكثر عرضة للاضطرابات النفسية، وضعف التحصيل الدراسي، وحتى الانحراف في بعض الحالات.

كيف يمكن احتواء الأزمة؟

أمام هذه الأزمة المتفاقمة يرى المختص في علم الاجتماع انه بات من الضروري البحث عن حلول واقعية ومتوازنة تأخذ بعين الاعتبار مصلحة جميع الأطراف ومن بين المقترحات الممكنة حسب رأيه ضرورة مراجعة القوانين عن طريق تعديل التشريعات الخاصة بالنفقة، بحيث تراعي الوضعية الاقتصادية للطرفين، مع إيجاد بدائل للعقوبات السجنية مثل الاقتطاع المباشر من الدخل أو فرض أعمال اجتماعية. وتعزيز الوساطة الأسرية بإنشاء مراكز متخصصة للوساطة العائلية قبل الطلاق، بهدف تقليل النزاعات والخروج بحلول ودية للطرفين.

ودعم المطلقين اقتصاديًا ونفسيا بتوفير برامج تشغيل للعاجزين منهم عن الدفع، ودورات تأهيل نفسي لمساعدتهم على التكيف مع التغيرات الجديدة في حياتهم.

ومن بين الحلول الأخرى التي براها تعزيز ثقافة المسؤولية الأسرية عبر حملات توعوية وبرامج تربوية تُرسّخ قيم التضامن الأسري، حتى بعد انتهاء العلاقة الزوجية.

زلزال اجتماعي..

وخلص المتحدث ملاحظا ان الطلاق لم يعد مجرد قرار شخصي، بل تحول إلى قضية مجتمعية تتطلب تدخلاً شاملاً من الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات التربوية. فبين النزاعات القضائية، والعجز عن دفع النفقة، والضغوط النفسية التي يعيشها المطلقون والمطلقات، تبقى الأسرة التونسية في قلب زلزال اجتماعي يحتاج إلى حلول جذرية، تضمن حقوق الجميع دون أن يكون أحد الطرفين ضحية لثغرات قانونية أو ضغوط اقتصادية لا ترحم.

وينص الفصل 53 من مجلة الأحوال الشخصية انه «إذا تعدّد المستحقون للنفقة ولم يستطع المنفق القيام بالإنفاق عليهم جميعا، قدّمت الزوجة على الأولاد والأولاد الصغار على الأصول.

اما الفصل 53 مكرر فيشير الى ان» كل من حكم عليه بالنفقة أو بجراية الطلاق فقضى عمدا شهرا دون دفع ما حكم عليه بأدائه يعاقب بالسجن مدّة تتراوح بين ثلاثة أشهر وعام وبخطية من مائة دينار (100د) إلى ألف دينار (1000د).» والأداء يوقف التتبعات أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب. ويتولّى صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق دفع مبالغ النفقة أو جراية الطلاق الصادرة بها أحكام باتة تعذر تنفيذها لفائدة المطلقات وأولادهن من المحكوم عليه بسبب تلدّده وذلك وفقا للشروط المنصوص عليها بالقانون المحدث للصندوق. ويحلّ هذا الأخير محل المحكوم لهم في استخلاص المبالغ التي دفعها.

صباح الشابي

  Conception & Réalisation  Alpha Studios Copyright © 2023  assabahnews