إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

التونسيات في اليوم العالمي للمرأة.. مكتسبات تشريعية.. نجاح أكاديمي.. ودق ناقوس الخطر بشأن العنف..

 

الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في تونس الذي يتزامن مع يوم 8 مارس من كل سنة، لا يمكن أن يتم حصره في زاوية بعينها، فوضع النساء هنا حمال أوجه، متغير وغير قابل لتبويب، لا على أساس الجهة أو السن أو المستوى الاجتماعي والتعليمي، خاصة وأن حزمة التشريعات والقوانين التي جاء بها المشرع التونسي إلى غاية الآن تعد من أبرز التشريعات على المستوى الدولي، في ما يتعلق بمناهضة جميع أشكال العنف المسلط على المرأة، ولعل القانون الأساسي عدد 58 الصادر سنة 2017 أهمها وأبرزها.

كما تعد تونس، بفضل مجلة الأحوال الشخصية الصادرة منذ 1956، الدولة الأولى على المستوى العربي التي ألغت تعدد الزوجات وجرمت زواج القاصرات وأقرت الحق في الطلاق عبر القضاء، ونصصت على مبدأ الرضائية في الزواج، ومكنت المرأة من حق الانتخاب والترشح واعترفت بالحق في الإجهاض منذ 1973.. وكان ذلك بالتوازي مع تأكيد مختلف الدساتير التونسية الصادرة منذ الاستقلال على أن النساء مساويات مساواة تامة وفعلية مع الرجال في الحقوق والواجبات.

ويمكن القول إن النضالات النسوية قد نجحت على مر الزمن في مراكمة مزيد من المكتسبات، وظفرت المرأة بحقها في السفر مع أطفالها القصر دون الحاجة إلى طلب إذن مسبق من الأب، وفي 2017، تم إلغاء قانون يمنع النساء التونسيات من الزواج من غير المسلم، ومنحت الحق في تمكين أبنائها من جنسيتها، وفي أوت 2018 تحصلت ولأول مرة امرأة تونسية عزباء على موافقة بتنبي طفلة.

تفوّق المرأة التونسية

ووفقا للأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، تبلغ نسبة التمدرس بالنسبة للفتيات في تونس 99.8 % ويمثلن 70 % من خريجي الجامعة، و69 % من إجماليّ المتحصّلين على الدكتوراه، كما أنّ نسبة حضور المرأة في إطار التدريس تجاوزت 50 % ، ويتواجد النساء بنسبة 42 % في المهن الطبية وبنسبة 72 % من الصيادلة و40 % من الأساتذة الجامعيين، وبنسبة 49.3 % في مجال العلوم و66 % في قطاع البحث العلمي.

ويعتبر حضور التونسيّات لافتا في قطاعي القضاء والطب اللذين يتجاوز فيهما عتبة الـ50 %، في المقابل، وللأسف، لا نجد لهذا التطور العلمي والحضور داخل الجامعات انعكاسا لتواجد أو تمثيلية المرأة في مواقع القرار والمواقع القياديّة العليا للبلاد، على غرار خطة مدير عام أو كاتب عام وزارة، والتي بقيت دون المستوى المأمول إذ لم تتعد نسبة تولي المرأة خطّة مديرة عامّة 33 % أمّا رئيسات دواوين الوزارات فتقدّر نسبتهنّ بـ27 % وإجمالا تقدّر نسبة تواجد النّساء في المناصب القياديّة بـ36 % حسب نفس المصدر. أما بالنسبة لحضور المرأة في الحكومة فقد بلغ نسبة 38 % مع تمثيلية نسائية داخل مجلس نواب الشعب في حدود 20 %.

وتقول وزارة المرأة إن نسبة القيادات الأمنيّة النّسائية المتواجدة صلب الوحدات المختصّة بالبحث في جرائم العنف ضدّ المرأة والطّفل بكلّ من الإدارة العامّة للأمن الوطني والإدارة العامّة للحرس الوطني قد شهت ارتفاعا ملحوظا خلال الفترة الممتدّة بين 2019 و2023، حيث ارتفعت من 21.12 % إلى 38 %، كما شهدت سنة 2023 ارتفاعا في نسبة مشاركة العسكريّات في بعثات حفظ السّلام التي بلغت نسبة 29.03 % في حين كانت في حدود 28 % في سنة 2022.

وتمثل المرأة التونسية نحو 30 % من القوى العاملة في تونس، كما أنها تشكل 34 % من صاحبات المؤسسات.

النساء ومعضلة العنف

ويعود عدم التوازن المسجل بين حضور المرأة التونسية في فضاءات العمل وفي الأوساط الجامعية وفي أطر البحث العلمي، وبين تواجدها في المواقع الأمامية لأخذ القرار أو التمثيليات المنتخبة أو صلب الحكومات، الى واقعها المتسم بتنوع أشكال العنف التي يمكن أن تتعرض لها. وذلك بداية من العنف النفسي والمعنوي (هرسلة وتقزيم وتقليل من القيمة..) والمادي (العنف الجسدي والتحرش) والعنف الاقتصادي (العمل الهش وعدم الإنصاف في العمل وإعطاء أولوية المناصب للرجال..) والعنف المجتمعي (العقلية الذكورية والثقافة الاجتماعية).

وكشف المعهد الوطني للإحصاء، في أول مسح يصدر عنه في علاقة بالعنف المسلط على النساء منذ سنتين، أن 84.7 % من مجموع 10 آلاف و889 امرأة تم استجوابهن، تبين أنهن تعرضن للتعنيف مرة واحدة على الأقل بداية من سن الخامسة عشر. وأضاف نفس التقرير، أن 57.1 % من النساء المستجوبات أكدن تعرضهن خلال سنة 2021 للعنف بمختلف أشكاله.

وأكد المعهد الوطني للإحصاء أن المسح الوطني حول العنف المسلط على المرأة شمل 11.610 أسر تنتمي إلى مختلف المناطق الحضرية وغير الحضرية في البلاد وأن أعمار النساء المستجوبات تتراوح بين 15 و74 سنة. وأفاد بأن العنف المعنوي (عنف نفسي وعنف لفظي) احتل المركز الأول على مستوى أشكال العنف المسلط على المرأة بـتعرّض 49.3 % من النساء المستجوبات له لافتا الى أن العنف الجنسي كان بنسبة 15.6 % وإلى أن العنف الاقتصادي بنسبة 11.4 % والعنف المادي بنسبة 5.3 %.

وبيّن معهد الإحصاء أن 42.7 % من النساء المتزوجات أو المطلقات أو الأرامل تعرضن للتعنيف مرة على الأقل من قبل أزواجهن أو أزواجهن السابقين، وأن النساء الأكثر عرضة للعنف هن الفتيات الشابات والنساء المتحصلات على مستوى متقدم من التعليم والمندمجات في الحياة الاقتصادية والاجتماعية مشيرا الى أن ثلث النساء المستجوبات أكدن أنهن كن ضحايا أحد أشكال التحرش الجنسي.

وفي انتظار الإحصائيات والأرقام المحينة لهذه السنة، تجدر الإشارة الى أن وزارة المرأة قد أكدت في أكثر من بيان لها، أن العنف ضدّ النساء في تونس قد ارتفع في السنوات الأخيرة وأن العنف الزوجي بات يمثّل أعلى نسبة من أشكال العنف المسجّلة. ويشمل العنف مختلف الفئات العمرية والتعليمية، ويتصل بأشكال مختلفة، الجسدي واللفظي والاقتصادي والجنسي والمادي.. وتقول الوزارة إنه يمكن لحالة عنف واحدة أن تشمل أكثر من شكل واحد من أشكال العنف. وتحدد الوزارة المرأة نسبة العنف الزوجي بـ81 % من مجموع حالات العنف المبلغ عنها عبر الخط الأخضر، وينتمي 27 % من النساء المعنفات الى الفئة العمرية بين 30 سنة و39 سنة و19 % ينتمين الى الفئة العمرية (40-49 سنة)، وحسب المستوى التعليمي فإنّ 18 % من النساء ضحايا العنف المتصلات بالخط الأخضر لهن مستوى تعليمي جامعي و22 % لهنّ مستوى تعليمي ثانوي و16 % إعدادي وأقلّ من 5 % من الأميات.

وتدق الجمعيات النسوية في تونس ناقوس الخطر وتحذر من تواصل السكوت على آفة قتل النساء (تضاعف منسوب تقتيل النساء بين 2018 و2023 ست مرات وسجلت سنة 2024 حسب جمعية أصوات نساء 20 حالة وفاة لامرأة على يد زوجها أو أحد أقاربها)، وما يتعرضن له من عنف في الفضاء العام والخاص، وتعتبر ان تبعاته ستكون مدمرة على الإفراد والأسرة والمجتمع التونسي ككل.

وتكشف أن ضعف تطبيق القانون الأساسي عدد 58، وتردي نوع الخدمات التي ينتفع بها النساء ضحايا العنف من قبل الهياكل والمؤسسات المعنية في الدولة، قد تسبب في تخلي 36 % من النساء عن المسار القضائي الذي اتخذنه. ويمثل القصور المادي وارتفاع كلفة التقاضي أبرز أسباب عدم التجاء ضحايا العنف إلى القضاء.

وتواجه النساء المعنفات باختلاف مستوياتهن التعليمية وسنهن، صعوبات وإشكاليات كبيرة في الولوج الى العدالة والصحة بالأساس، وهو أمر أكدته دراسة أجرتها الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ورابطة الناخبات التونسيات، وهي دراسة تناولت نموذجا لـ50 امرأة ضحية عنف عن ولايات الشمال الكاف وجندوبة وباجة وسليانة وولايات الوسط القيروان وسوسة وولايات الجنوب مدنين وقابس وقبلي وتطاوين.

وبين نفس المرجع أن حضور وزارة المرأة في قضايا العنف لا يتجاوز 6 % وتكون وزارة الشؤون الاجتماعية شبه مغيبة إذ حضرت في أذهان 2 % فقط من العينة ويعنى المسار القضائي بنسبة 10 % في الوقت الذي تتجه فيه ضحايا العنف بنسبة 58 % الى المؤسسات الاستشفائية. ورغم المسؤولية المنوطة بعهدة المؤسسات المختصة في وزارة المرأة في علاقة بمسألة العنف وضحايا العنف، لا تذكر أغلب المستجوبات أنهن التجأن أو توجهنا الى اللجان المختصة في مكافحة العنف المسلط على النساء، وتقتصر خدمات الوزارة على التوجيه والإرشاد فقط.

وتصف نفس الدراسة أكثر من 50 % من ضحايا العنف، الخدمات المقدمة من قبل بعض الفرق الأمنية بالسيئة كما تصنف 40 % من المستجوبات المسار القضائي بالسيئ في وقت عبرت

30 % فقط منهن عن رضائهن على مسار التقاضي.

وبينت دراسة قام بها المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة تحت عنوان «محددات العنف الزوجي»، أنّ أكثر أشكال العنف الممارس على الزوجات هو العنف الجسدي يليه العنف النفسيّ وغالبا ما يسلط على الضحايا عنفا جسديّا مصحوبا بالعنف النفسيّ، كما يُرتكب العنف ضد ازوجات في نهاية اليوم مما يضطر الضحية لمغادرة منزل الزوجية ليلا.

كما أشارت نفس الدراسة الى أن هناك صعوبات تعيق إنفاذ القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 للقضاء على العنف ضد المرأة، بما يستدعي مزيد دعم آليات ومسالك المتابعة والتنفيذ على المستويين الأمني والقضائي.

كما بيّنت المقابلات مع النساء المعنّفات التي قام بها المرصد، أنّ مرتكب العنف غالبا ما يكرّر الفعل وأنّهن يضطررن للعودة إلى منزل الزوجية بعد تعنيفهن والعيش تحت وطأة الإهانة والضرب.

أمّا بخصوص القائمين بالعنف، فقد بيّنت الدراسة أنّهم يعتبرون العنف الأسري مسألة خاصة، لا يحق لأحد التدخل فيها وأنهم متمسّكون بسلوكاتهم العنيفة مجسّدين بذلك عقلية الهيمنة الذّكوريّة وموروثا اجتماعيا مطبّعا مع العنف.

وبالنسبة للعنف في شكله الاقتصادي وفي فضاءات العمل، من المهم التذكير بأن الحكومة التونسية لم تصادق بعد على اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 190 المناهضة للعنف وكل أشكال التحرش الجنسي المسلط على النساء داخل مواقع العمل، رغم أن التشريعات ملائمة والتصريحات الصادرة عن وزارة المرأة تؤكد أنه لا يوجد تعطيل في الأمر.

وتكشف في نفس الإطار، دراسة أعدها الاتحاد العام التونسي للشغل بالتعاون مع مركز التضامن الأمريكي بين 2016 و2018، تعرض

70 % من النساء للعنف بأشكال مختلفة داخل فضاء العمل. ويمثل العنف الاقتصادي الجزء الأكبر منه، إذ تبلغ نسبته 68 %.

واعتبرت نفس الدراسة أن التهميش الذي تعاني منه النساء في مختلف أنحاء العالم يعتبر شكلا من أشكال العنف حسب المفاهيم الأممية، مشيرة الى أن ذلك يتجلى بالخصوص في ضعف نسبة ملكية النساء للأراضي التي لا تتجاوز 2 % فضلا عن صعوبة حصولهن على القروض مقارنة بالرجال.

وبينت الدراسة أن هذا الوضع ينسحب على وضعية المرأة في تونس وخاصة في المناطق الريفية، حيث أثبتت الدراسات أن نسبة التغطية الاجتماعية لا تتجاوز 10 % وتصل نسبة الفقر في بعض الولايات الى 40 % بالنسبة للنساء والحال أنها لا تتجاوز 25 % وطنيا.

في نفس الوقت تكشف دراسة أنجزها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، أن 47 % من النساء في تونس يتعرضن للعنف في الفضاء الأسري وبينت دراسة أخرى أعدها مركز البحوث والدراسات حول المرأة في 2016 حول العنف في الفضاء العام أن 53,5 % من النساء يتعرضن للعنف في الفضاء العام بنسب متفاوتة بين أشكال العنف الجسدي والنفسي والتحرش الجنسي الذي أصبح بمثابة الظاهرة خاصة في وسائل النقل.

وتعتبر مختلف منظمات المجتمع المدني المدافعة عن النساء أن النسب المذكورة لا تعكس إلا جزءا من حقيقة الظاهرة، حيث يعد التحرش الجنسي في موقع العمل خاصة من المواضيع المسكوت عنها والذي تمتنع الكثير من النساء عن الحديث حوله، خوفا من التهم الأخلاقية التي قد توجه إليهن أو إمكانية الطرد من العمل على خلفية التبليغ عن التحرش، هذا فضلا على التمييز الذي تواجهه المرأة في الترقيات والأجور من خلال ما تحمله مجلة الشغل من نصوص تحرم المرأة من ترقياتها ومنحها خلال فترة الولادة.

ريم سوودي

التونسيات في اليوم العالمي للمرأة.. مكتسبات تشريعية.. نجاح أكاديمي.. ودق ناقوس الخطر بشأن العنف..

 

الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في تونس الذي يتزامن مع يوم 8 مارس من كل سنة، لا يمكن أن يتم حصره في زاوية بعينها، فوضع النساء هنا حمال أوجه، متغير وغير قابل لتبويب، لا على أساس الجهة أو السن أو المستوى الاجتماعي والتعليمي، خاصة وأن حزمة التشريعات والقوانين التي جاء بها المشرع التونسي إلى غاية الآن تعد من أبرز التشريعات على المستوى الدولي، في ما يتعلق بمناهضة جميع أشكال العنف المسلط على المرأة، ولعل القانون الأساسي عدد 58 الصادر سنة 2017 أهمها وأبرزها.

كما تعد تونس، بفضل مجلة الأحوال الشخصية الصادرة منذ 1956، الدولة الأولى على المستوى العربي التي ألغت تعدد الزوجات وجرمت زواج القاصرات وأقرت الحق في الطلاق عبر القضاء، ونصصت على مبدأ الرضائية في الزواج، ومكنت المرأة من حق الانتخاب والترشح واعترفت بالحق في الإجهاض منذ 1973.. وكان ذلك بالتوازي مع تأكيد مختلف الدساتير التونسية الصادرة منذ الاستقلال على أن النساء مساويات مساواة تامة وفعلية مع الرجال في الحقوق والواجبات.

ويمكن القول إن النضالات النسوية قد نجحت على مر الزمن في مراكمة مزيد من المكتسبات، وظفرت المرأة بحقها في السفر مع أطفالها القصر دون الحاجة إلى طلب إذن مسبق من الأب، وفي 2017، تم إلغاء قانون يمنع النساء التونسيات من الزواج من غير المسلم، ومنحت الحق في تمكين أبنائها من جنسيتها، وفي أوت 2018 تحصلت ولأول مرة امرأة تونسية عزباء على موافقة بتنبي طفلة.

تفوّق المرأة التونسية

ووفقا للأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، تبلغ نسبة التمدرس بالنسبة للفتيات في تونس 99.8 % ويمثلن 70 % من خريجي الجامعة، و69 % من إجماليّ المتحصّلين على الدكتوراه، كما أنّ نسبة حضور المرأة في إطار التدريس تجاوزت 50 % ، ويتواجد النساء بنسبة 42 % في المهن الطبية وبنسبة 72 % من الصيادلة و40 % من الأساتذة الجامعيين، وبنسبة 49.3 % في مجال العلوم و66 % في قطاع البحث العلمي.

ويعتبر حضور التونسيّات لافتا في قطاعي القضاء والطب اللذين يتجاوز فيهما عتبة الـ50 %، في المقابل، وللأسف، لا نجد لهذا التطور العلمي والحضور داخل الجامعات انعكاسا لتواجد أو تمثيلية المرأة في مواقع القرار والمواقع القياديّة العليا للبلاد، على غرار خطة مدير عام أو كاتب عام وزارة، والتي بقيت دون المستوى المأمول إذ لم تتعد نسبة تولي المرأة خطّة مديرة عامّة 33 % أمّا رئيسات دواوين الوزارات فتقدّر نسبتهنّ بـ27 % وإجمالا تقدّر نسبة تواجد النّساء في المناصب القياديّة بـ36 % حسب نفس المصدر. أما بالنسبة لحضور المرأة في الحكومة فقد بلغ نسبة 38 % مع تمثيلية نسائية داخل مجلس نواب الشعب في حدود 20 %.

وتقول وزارة المرأة إن نسبة القيادات الأمنيّة النّسائية المتواجدة صلب الوحدات المختصّة بالبحث في جرائم العنف ضدّ المرأة والطّفل بكلّ من الإدارة العامّة للأمن الوطني والإدارة العامّة للحرس الوطني قد شهت ارتفاعا ملحوظا خلال الفترة الممتدّة بين 2019 و2023، حيث ارتفعت من 21.12 % إلى 38 %، كما شهدت سنة 2023 ارتفاعا في نسبة مشاركة العسكريّات في بعثات حفظ السّلام التي بلغت نسبة 29.03 % في حين كانت في حدود 28 % في سنة 2022.

وتمثل المرأة التونسية نحو 30 % من القوى العاملة في تونس، كما أنها تشكل 34 % من صاحبات المؤسسات.

النساء ومعضلة العنف

ويعود عدم التوازن المسجل بين حضور المرأة التونسية في فضاءات العمل وفي الأوساط الجامعية وفي أطر البحث العلمي، وبين تواجدها في المواقع الأمامية لأخذ القرار أو التمثيليات المنتخبة أو صلب الحكومات، الى واقعها المتسم بتنوع أشكال العنف التي يمكن أن تتعرض لها. وذلك بداية من العنف النفسي والمعنوي (هرسلة وتقزيم وتقليل من القيمة..) والمادي (العنف الجسدي والتحرش) والعنف الاقتصادي (العمل الهش وعدم الإنصاف في العمل وإعطاء أولوية المناصب للرجال..) والعنف المجتمعي (العقلية الذكورية والثقافة الاجتماعية).

وكشف المعهد الوطني للإحصاء، في أول مسح يصدر عنه في علاقة بالعنف المسلط على النساء منذ سنتين، أن 84.7 % من مجموع 10 آلاف و889 امرأة تم استجوابهن، تبين أنهن تعرضن للتعنيف مرة واحدة على الأقل بداية من سن الخامسة عشر. وأضاف نفس التقرير، أن 57.1 % من النساء المستجوبات أكدن تعرضهن خلال سنة 2021 للعنف بمختلف أشكاله.

وأكد المعهد الوطني للإحصاء أن المسح الوطني حول العنف المسلط على المرأة شمل 11.610 أسر تنتمي إلى مختلف المناطق الحضرية وغير الحضرية في البلاد وأن أعمار النساء المستجوبات تتراوح بين 15 و74 سنة. وأفاد بأن العنف المعنوي (عنف نفسي وعنف لفظي) احتل المركز الأول على مستوى أشكال العنف المسلط على المرأة بـتعرّض 49.3 % من النساء المستجوبات له لافتا الى أن العنف الجنسي كان بنسبة 15.6 % وإلى أن العنف الاقتصادي بنسبة 11.4 % والعنف المادي بنسبة 5.3 %.

وبيّن معهد الإحصاء أن 42.7 % من النساء المتزوجات أو المطلقات أو الأرامل تعرضن للتعنيف مرة على الأقل من قبل أزواجهن أو أزواجهن السابقين، وأن النساء الأكثر عرضة للعنف هن الفتيات الشابات والنساء المتحصلات على مستوى متقدم من التعليم والمندمجات في الحياة الاقتصادية والاجتماعية مشيرا الى أن ثلث النساء المستجوبات أكدن أنهن كن ضحايا أحد أشكال التحرش الجنسي.

وفي انتظار الإحصائيات والأرقام المحينة لهذه السنة، تجدر الإشارة الى أن وزارة المرأة قد أكدت في أكثر من بيان لها، أن العنف ضدّ النساء في تونس قد ارتفع في السنوات الأخيرة وأن العنف الزوجي بات يمثّل أعلى نسبة من أشكال العنف المسجّلة. ويشمل العنف مختلف الفئات العمرية والتعليمية، ويتصل بأشكال مختلفة، الجسدي واللفظي والاقتصادي والجنسي والمادي.. وتقول الوزارة إنه يمكن لحالة عنف واحدة أن تشمل أكثر من شكل واحد من أشكال العنف. وتحدد الوزارة المرأة نسبة العنف الزوجي بـ81 % من مجموع حالات العنف المبلغ عنها عبر الخط الأخضر، وينتمي 27 % من النساء المعنفات الى الفئة العمرية بين 30 سنة و39 سنة و19 % ينتمين الى الفئة العمرية (40-49 سنة)، وحسب المستوى التعليمي فإنّ 18 % من النساء ضحايا العنف المتصلات بالخط الأخضر لهن مستوى تعليمي جامعي و22 % لهنّ مستوى تعليمي ثانوي و16 % إعدادي وأقلّ من 5 % من الأميات.

وتدق الجمعيات النسوية في تونس ناقوس الخطر وتحذر من تواصل السكوت على آفة قتل النساء (تضاعف منسوب تقتيل النساء بين 2018 و2023 ست مرات وسجلت سنة 2024 حسب جمعية أصوات نساء 20 حالة وفاة لامرأة على يد زوجها أو أحد أقاربها)، وما يتعرضن له من عنف في الفضاء العام والخاص، وتعتبر ان تبعاته ستكون مدمرة على الإفراد والأسرة والمجتمع التونسي ككل.

وتكشف أن ضعف تطبيق القانون الأساسي عدد 58، وتردي نوع الخدمات التي ينتفع بها النساء ضحايا العنف من قبل الهياكل والمؤسسات المعنية في الدولة، قد تسبب في تخلي 36 % من النساء عن المسار القضائي الذي اتخذنه. ويمثل القصور المادي وارتفاع كلفة التقاضي أبرز أسباب عدم التجاء ضحايا العنف إلى القضاء.

وتواجه النساء المعنفات باختلاف مستوياتهن التعليمية وسنهن، صعوبات وإشكاليات كبيرة في الولوج الى العدالة والصحة بالأساس، وهو أمر أكدته دراسة أجرتها الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ورابطة الناخبات التونسيات، وهي دراسة تناولت نموذجا لـ50 امرأة ضحية عنف عن ولايات الشمال الكاف وجندوبة وباجة وسليانة وولايات الوسط القيروان وسوسة وولايات الجنوب مدنين وقابس وقبلي وتطاوين.

وبين نفس المرجع أن حضور وزارة المرأة في قضايا العنف لا يتجاوز 6 % وتكون وزارة الشؤون الاجتماعية شبه مغيبة إذ حضرت في أذهان 2 % فقط من العينة ويعنى المسار القضائي بنسبة 10 % في الوقت الذي تتجه فيه ضحايا العنف بنسبة 58 % الى المؤسسات الاستشفائية. ورغم المسؤولية المنوطة بعهدة المؤسسات المختصة في وزارة المرأة في علاقة بمسألة العنف وضحايا العنف، لا تذكر أغلب المستجوبات أنهن التجأن أو توجهنا الى اللجان المختصة في مكافحة العنف المسلط على النساء، وتقتصر خدمات الوزارة على التوجيه والإرشاد فقط.

وتصف نفس الدراسة أكثر من 50 % من ضحايا العنف، الخدمات المقدمة من قبل بعض الفرق الأمنية بالسيئة كما تصنف 40 % من المستجوبات المسار القضائي بالسيئ في وقت عبرت

30 % فقط منهن عن رضائهن على مسار التقاضي.

وبينت دراسة قام بها المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة تحت عنوان «محددات العنف الزوجي»، أنّ أكثر أشكال العنف الممارس على الزوجات هو العنف الجسدي يليه العنف النفسيّ وغالبا ما يسلط على الضحايا عنفا جسديّا مصحوبا بالعنف النفسيّ، كما يُرتكب العنف ضد ازوجات في نهاية اليوم مما يضطر الضحية لمغادرة منزل الزوجية ليلا.

كما أشارت نفس الدراسة الى أن هناك صعوبات تعيق إنفاذ القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 للقضاء على العنف ضد المرأة، بما يستدعي مزيد دعم آليات ومسالك المتابعة والتنفيذ على المستويين الأمني والقضائي.

كما بيّنت المقابلات مع النساء المعنّفات التي قام بها المرصد، أنّ مرتكب العنف غالبا ما يكرّر الفعل وأنّهن يضطررن للعودة إلى منزل الزوجية بعد تعنيفهن والعيش تحت وطأة الإهانة والضرب.

أمّا بخصوص القائمين بالعنف، فقد بيّنت الدراسة أنّهم يعتبرون العنف الأسري مسألة خاصة، لا يحق لأحد التدخل فيها وأنهم متمسّكون بسلوكاتهم العنيفة مجسّدين بذلك عقلية الهيمنة الذّكوريّة وموروثا اجتماعيا مطبّعا مع العنف.

وبالنسبة للعنف في شكله الاقتصادي وفي فضاءات العمل، من المهم التذكير بأن الحكومة التونسية لم تصادق بعد على اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 190 المناهضة للعنف وكل أشكال التحرش الجنسي المسلط على النساء داخل مواقع العمل، رغم أن التشريعات ملائمة والتصريحات الصادرة عن وزارة المرأة تؤكد أنه لا يوجد تعطيل في الأمر.

وتكشف في نفس الإطار، دراسة أعدها الاتحاد العام التونسي للشغل بالتعاون مع مركز التضامن الأمريكي بين 2016 و2018، تعرض

70 % من النساء للعنف بأشكال مختلفة داخل فضاء العمل. ويمثل العنف الاقتصادي الجزء الأكبر منه، إذ تبلغ نسبته 68 %.

واعتبرت نفس الدراسة أن التهميش الذي تعاني منه النساء في مختلف أنحاء العالم يعتبر شكلا من أشكال العنف حسب المفاهيم الأممية، مشيرة الى أن ذلك يتجلى بالخصوص في ضعف نسبة ملكية النساء للأراضي التي لا تتجاوز 2 % فضلا عن صعوبة حصولهن على القروض مقارنة بالرجال.

وبينت الدراسة أن هذا الوضع ينسحب على وضعية المرأة في تونس وخاصة في المناطق الريفية، حيث أثبتت الدراسات أن نسبة التغطية الاجتماعية لا تتجاوز 10 % وتصل نسبة الفقر في بعض الولايات الى 40 % بالنسبة للنساء والحال أنها لا تتجاوز 25 % وطنيا.

في نفس الوقت تكشف دراسة أنجزها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، أن 47 % من النساء في تونس يتعرضن للعنف في الفضاء الأسري وبينت دراسة أخرى أعدها مركز البحوث والدراسات حول المرأة في 2016 حول العنف في الفضاء العام أن 53,5 % من النساء يتعرضن للعنف في الفضاء العام بنسب متفاوتة بين أشكال العنف الجسدي والنفسي والتحرش الجنسي الذي أصبح بمثابة الظاهرة خاصة في وسائل النقل.

وتعتبر مختلف منظمات المجتمع المدني المدافعة عن النساء أن النسب المذكورة لا تعكس إلا جزءا من حقيقة الظاهرة، حيث يعد التحرش الجنسي في موقع العمل خاصة من المواضيع المسكوت عنها والذي تمتنع الكثير من النساء عن الحديث حوله، خوفا من التهم الأخلاقية التي قد توجه إليهن أو إمكانية الطرد من العمل على خلفية التبليغ عن التحرش، هذا فضلا على التمييز الذي تواجهه المرأة في الترقيات والأجور من خلال ما تحمله مجلة الشغل من نصوص تحرم المرأة من ترقياتها ومنحها خلال فترة الولادة.

ريم سوودي

  Conception & Réalisation  Alpha Studios Copyright © 2023  assabahnews