إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

عادت لـ "اليمين" بعد سنوات من حكم اليسار.. ماذا سيتغير في ألمانيا داخليا وخارجيا؟

التحقت ألمانيا أول أمس بركب الدول التي تحولت يمينا بعد أن حقق «الاتحاد المسيحي» نصرا هاما وغير مسبوق في الانتخابات التشريعية التي جرت الأحد، متقدما على حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي حقق أفضل نتيجة له منذ تأسيسه قبل 12 عاما. وأظهرت النتائج خسارة كبيرة لحزب المستشار الحالي أولاف شولتز الاشتراكي الديمقراطي الذي خسر أكثر من 9 نقاط مقارنة بانتخابات2021. وشارك بهذه الانتخابات التاريخية أكثر من 84 % وهي النسبة الأعلى نسبة منذ 1990، أي منذ انهيار جدار برلين وتوحيد الألمانيتين. وفاز «الاتحاد المسيحي» بزعامة فريدريتش ميرتس (المستشار القادم) بأكثر من 28.5 % من الأصوات، ليبدأ مشاوراته لتشكيل الحكومة القادمة.

وفي ظل التغيرات السياسية والاجتماعية التي تشهدها أوروبا والعالم، تبرز ألمانيا كواحدة من الدول التي تشهد تحولات سياسية عميقة، خاصة إثر عودة اليمين إلى سدة الحكم بعد سنوات من هيمنة اليسار. هذا التحول ليس مجرد تغيير في التوازنات السياسية الداخلية، بل هو انعكاس لتطورات أوسع في المجتمع الألماني وفي أوروبا ككل. فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا التحول؟ وما هي تداعياته المحتملة على ألمانيا وعلى الاتحاد الأوروبي وعلى السياسة الخارجية الألمانية؟

من اليسار إلى اليمين

على مدى السنوات الماضية، سيطرت الأحزاب اليسارية والوسطية على المشهد السياسي الألماني، حيث كانت حكومة الائتلاف بقيادة «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» (SPD) و«حزب الخضر» و«حزب اليسار»(Die Linke) تتبنى سياسات تركز على العدالة الاجتماعية وحماية البيئة وتعزيز التكامل الأوروبي. ومع ذلك، بدأت هذه الهيمنة تتراجع تدريجياً بسبب عدة عوامل، منها التحديات الاقتصادية، وأزمة اللاجئين، والخروج عن النمطية الألمانية المعروفة بالجدية والدقة.

في السنوات الأخيرة، شهدت ألمانيا صعوداً ملحوظاً للأحزاب اليمينية، وعلى رأسها «حزب البديل من أجل ألمانيا»(AfD)، الذي نجح في جذب جزء كبير من الناخبين الذين يشعرون بالإحباط من سياسات اليسار التقليدية. كما أن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي(CDU)، الذي يمثل اليمين الوسط، عاد ليكون قوة سياسية رئيسية بعد فترة من التراجع.

الأسباب الكامنة وراء التحول

عديد الأسباب مثلت دافعا أو سببا للتحول الذي شهدته ألمانيا من ذلك أزمة اللاجئين التي شهدتها أوروبا في عام 2015 والتي مثلت نقطة تحول كبيرة في المشهد السياسي الألماني. حيث أثارت سياسة الباب المفتوح التي تبنتها المستشارة أنجيلا ميركل (CDU) في ذلك الوقت، على الرغم من الترحيب بها من قبل اليسار، غضباً واسعاً بين شرائح كبيرة من الشعب الألماني، خاصة في المناطق الريفية والشرقية. هذا الغضب غذى صعود الأحزاب اليمينية التي ركزت على خطاب معاداة الهجرة.

كذلك من الضروري الإشارة إلى التحديات الاقتصادية والواقع المعيشي والمالي الصعب للألمان. فعلى الرغم من أن ألمانيا لا تزال واحدة من أقوى الاقتصاديات في العالم، إلا أن التحديات الاقتصادية الداخلية، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم المساواة الاقتصادية، بدأت تظهر. وهو ما جعل العديد من الناخبين يشعرون بأن سياسات اليسار لم تعالج هذه القضايا بشكل كافٍ، مما دفعهم إلى البحث عن بدائل سياسية. بالإضافة إلى ذلك ومن بين الأسباب الأخرى التي ساهمت في صعود اليمين، نذكر الشعبوية والاستقطاب، فكما هو الحال في العديد من الدول الأوروبية، شهدت ألمانيا زيادة في الاستقطاب السياسي. وقد نجح الخطاب الشعبوي الذي تبنته الأحزاب اليمينية، والذي يركز على الهوية الوطنية ومعاداة النخب السياسية التقليدية في جذب جزء كبير من الناخبين الذين يشعرون بأنهم مهمشون.

وينضاف إلى هذا، تغير القيم الاجتماعية حيث شهدت ألمانيا تحولا في القيم الاجتماعية داخل مجتمعها. فبينما كان اليسار يركز على قضايا مثل حقوق الأقليات وحماية البيئة، بدأ جزء من الناخبين يبحثون عن سياسات أكثر تركيزاً على الأمن والاستقرار الاقتصادي، وهي قضايا تروج لها الأحزاب اليمينية بالأساس.

تداعيات التحول السياسي

وبالتأكيد ومثلما جرى في عديد الدول الأوروبية الأخرى، فإن لصعود اليمين الألماني تداعيات على السياسات الداخلية للبلاد. فمع عودة اليمين إلى الحكم، من المتوقع أن تشهد السياسات الداخلية في ألمانيا تحولاً نحو المزيد من التشدد في قضايا مثل الهجرة والأمن. كما قد تشهد السياسات الاقتصادية تحولاً نحو الليبرالية الاقتصادية، مع تقليل دور الدولة في الاقتصاد. وقد يؤدي صعود اليمين إلى زيادة الاستقطاب داخل المجتمع الألماني. فبينما قد يشعر جزء من الناخبين بأنهم ممثلون بشكل أفضل، قد يشعر آخرون بالقلق من تأثير هذه السياسات على حقوق الأقليات والحريات المدنية.

أما أوروبيا، وباعتبار أن ألمانيا تعدّ القوة الاقتصادية والسياسية الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، فإن عودة اليمين إلى الحكم قد تؤثر على ديناميكيات العلاقات داخل الاتحاد. ومن المحتمل أن تشهد ألمانيا مواقف أكثر تشدداً في المفاوضات الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بقضايا مثل الهجرة والسياسة المالية.

وعلى الصعيد الدولي، قد تشهد السياسة الخارجية الألمانية تحولاً نحو المزيد من الحذر في التعامل مع القضايا الدولية، مع التركيز على المصالح الوطنية بدلاً من التعددية الدولية التي كانت تروج لها حكومات اليسار.

خلاصة القول، يمكن اعتبار أن عودة اليمين إلى الحكم في ألمانيا بعد سنوات من هيمنة اليسار ليس مجرد تغيير سياسي عابر، بل هو انعكاس لتطورات أعمق في المجتمع الألماني وفي أوروبا ككل. هذا التحول يحمل معه تحديات كبيرة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. ومع ذلك، فإن مستقبل ألمانيا في ظل حكم اليمين سيعتمد إلى حد كبير على كيفية تعامل الحكومة الجديدة مع هذه التحديات، وعلى قدرتها على تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والتزاماتها الأوروبية والدولية.

سفيان رجب

عادت لـ "اليمين" بعد سنوات من حكم اليسار..   ماذا سيتغير في ألمانيا داخليا وخارجيا؟

التحقت ألمانيا أول أمس بركب الدول التي تحولت يمينا بعد أن حقق «الاتحاد المسيحي» نصرا هاما وغير مسبوق في الانتخابات التشريعية التي جرت الأحد، متقدما على حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي حقق أفضل نتيجة له منذ تأسيسه قبل 12 عاما. وأظهرت النتائج خسارة كبيرة لحزب المستشار الحالي أولاف شولتز الاشتراكي الديمقراطي الذي خسر أكثر من 9 نقاط مقارنة بانتخابات2021. وشارك بهذه الانتخابات التاريخية أكثر من 84 % وهي النسبة الأعلى نسبة منذ 1990، أي منذ انهيار جدار برلين وتوحيد الألمانيتين. وفاز «الاتحاد المسيحي» بزعامة فريدريتش ميرتس (المستشار القادم) بأكثر من 28.5 % من الأصوات، ليبدأ مشاوراته لتشكيل الحكومة القادمة.

وفي ظل التغيرات السياسية والاجتماعية التي تشهدها أوروبا والعالم، تبرز ألمانيا كواحدة من الدول التي تشهد تحولات سياسية عميقة، خاصة إثر عودة اليمين إلى سدة الحكم بعد سنوات من هيمنة اليسار. هذا التحول ليس مجرد تغيير في التوازنات السياسية الداخلية، بل هو انعكاس لتطورات أوسع في المجتمع الألماني وفي أوروبا ككل. فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا التحول؟ وما هي تداعياته المحتملة على ألمانيا وعلى الاتحاد الأوروبي وعلى السياسة الخارجية الألمانية؟

من اليسار إلى اليمين

على مدى السنوات الماضية، سيطرت الأحزاب اليسارية والوسطية على المشهد السياسي الألماني، حيث كانت حكومة الائتلاف بقيادة «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» (SPD) و«حزب الخضر» و«حزب اليسار»(Die Linke) تتبنى سياسات تركز على العدالة الاجتماعية وحماية البيئة وتعزيز التكامل الأوروبي. ومع ذلك، بدأت هذه الهيمنة تتراجع تدريجياً بسبب عدة عوامل، منها التحديات الاقتصادية، وأزمة اللاجئين، والخروج عن النمطية الألمانية المعروفة بالجدية والدقة.

في السنوات الأخيرة، شهدت ألمانيا صعوداً ملحوظاً للأحزاب اليمينية، وعلى رأسها «حزب البديل من أجل ألمانيا»(AfD)، الذي نجح في جذب جزء كبير من الناخبين الذين يشعرون بالإحباط من سياسات اليسار التقليدية. كما أن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي(CDU)، الذي يمثل اليمين الوسط، عاد ليكون قوة سياسية رئيسية بعد فترة من التراجع.

الأسباب الكامنة وراء التحول

عديد الأسباب مثلت دافعا أو سببا للتحول الذي شهدته ألمانيا من ذلك أزمة اللاجئين التي شهدتها أوروبا في عام 2015 والتي مثلت نقطة تحول كبيرة في المشهد السياسي الألماني. حيث أثارت سياسة الباب المفتوح التي تبنتها المستشارة أنجيلا ميركل (CDU) في ذلك الوقت، على الرغم من الترحيب بها من قبل اليسار، غضباً واسعاً بين شرائح كبيرة من الشعب الألماني، خاصة في المناطق الريفية والشرقية. هذا الغضب غذى صعود الأحزاب اليمينية التي ركزت على خطاب معاداة الهجرة.

كذلك من الضروري الإشارة إلى التحديات الاقتصادية والواقع المعيشي والمالي الصعب للألمان. فعلى الرغم من أن ألمانيا لا تزال واحدة من أقوى الاقتصاديات في العالم، إلا أن التحديات الاقتصادية الداخلية، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم المساواة الاقتصادية، بدأت تظهر. وهو ما جعل العديد من الناخبين يشعرون بأن سياسات اليسار لم تعالج هذه القضايا بشكل كافٍ، مما دفعهم إلى البحث عن بدائل سياسية. بالإضافة إلى ذلك ومن بين الأسباب الأخرى التي ساهمت في صعود اليمين، نذكر الشعبوية والاستقطاب، فكما هو الحال في العديد من الدول الأوروبية، شهدت ألمانيا زيادة في الاستقطاب السياسي. وقد نجح الخطاب الشعبوي الذي تبنته الأحزاب اليمينية، والذي يركز على الهوية الوطنية ومعاداة النخب السياسية التقليدية في جذب جزء كبير من الناخبين الذين يشعرون بأنهم مهمشون.

وينضاف إلى هذا، تغير القيم الاجتماعية حيث شهدت ألمانيا تحولا في القيم الاجتماعية داخل مجتمعها. فبينما كان اليسار يركز على قضايا مثل حقوق الأقليات وحماية البيئة، بدأ جزء من الناخبين يبحثون عن سياسات أكثر تركيزاً على الأمن والاستقرار الاقتصادي، وهي قضايا تروج لها الأحزاب اليمينية بالأساس.

تداعيات التحول السياسي

وبالتأكيد ومثلما جرى في عديد الدول الأوروبية الأخرى، فإن لصعود اليمين الألماني تداعيات على السياسات الداخلية للبلاد. فمع عودة اليمين إلى الحكم، من المتوقع أن تشهد السياسات الداخلية في ألمانيا تحولاً نحو المزيد من التشدد في قضايا مثل الهجرة والأمن. كما قد تشهد السياسات الاقتصادية تحولاً نحو الليبرالية الاقتصادية، مع تقليل دور الدولة في الاقتصاد. وقد يؤدي صعود اليمين إلى زيادة الاستقطاب داخل المجتمع الألماني. فبينما قد يشعر جزء من الناخبين بأنهم ممثلون بشكل أفضل، قد يشعر آخرون بالقلق من تأثير هذه السياسات على حقوق الأقليات والحريات المدنية.

أما أوروبيا، وباعتبار أن ألمانيا تعدّ القوة الاقتصادية والسياسية الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، فإن عودة اليمين إلى الحكم قد تؤثر على ديناميكيات العلاقات داخل الاتحاد. ومن المحتمل أن تشهد ألمانيا مواقف أكثر تشدداً في المفاوضات الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بقضايا مثل الهجرة والسياسة المالية.

وعلى الصعيد الدولي، قد تشهد السياسة الخارجية الألمانية تحولاً نحو المزيد من الحذر في التعامل مع القضايا الدولية، مع التركيز على المصالح الوطنية بدلاً من التعددية الدولية التي كانت تروج لها حكومات اليسار.

خلاصة القول، يمكن اعتبار أن عودة اليمين إلى الحكم في ألمانيا بعد سنوات من هيمنة اليسار ليس مجرد تغيير سياسي عابر، بل هو انعكاس لتطورات أعمق في المجتمع الألماني وفي أوروبا ككل. هذا التحول يحمل معه تحديات كبيرة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. ومع ذلك، فإن مستقبل ألمانيا في ظل حكم اليمين سيعتمد إلى حد كبير على كيفية تعامل الحكومة الجديدة مع هذه التحديات، وعلى قدرتها على تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والتزاماتها الأوروبية والدولية.

سفيان رجب

  Conception & Réalisation  Alpha Studios Copyright © 2023  assabahnews