إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رئيس "جمعية تعزيز التعاون والصداقة بين تونس وفرنسا" لـ"الصباح": هذه مقترحاتنا لحل أزمة الهجرة غير النظامية

- إنشاء وكالة للجالية التونسية في الخارج لتحل محل مكتب التونسيين في الخارج
- أدعو إلى تشكيل لجنة فرنسية تونسية مشتركة لإزالة العقبات الإدارية والقانونية أمام الأصول المجمدة

تحدث رئيس «جمعية تعزيز التعاون والصداقة بين تونس وفرنسا»، رائد شايبي، في حوار لـ«الصباح»، عن «الدبلوماسية المجتمعية» والسعي الى العمل على تشجيع وتعزيز اتفاقيات التعاون بين تونس وفرنسا لاسيما بين الهياكل العمومية في البلدين.

وكشف رائد شايبي عن موقفه من عدة قضايا تهم التونسيين بالخارج وتحديدا في فرنسا. كما تحدث عن قضية الهجرة غير النظامية والحلول التي من شأنها أن تساهم في القضاء على هذه الظاهرة وعن مقترح بشأن إنشاء وكالة للجالية التونسية في الخارج لتحل محل مكتب التونسيين في الخارج هذا فضلا عن قضية تصدير زيت الزيتون التونسي وغيرها من المسائل الأخرى في الحوار التالي:

*ما هي أبرز الأنشطة التي نظمتها جمعية دعم التعاون والصداقة بين فرنسا وتونس؟

تقوم جمعيتنا بثلاث مهام أساسية، أولاً، نقوم بإعداد مشاريع تضامنية في قطاعات إستراتيجية لتونس، مثل التعليم والصحة وريادة الأعمال الاجتماعية والثقافة والبيئة والشباب. وتنفذ هذه المبادرات بما يتماشى مع الأولويات التي تحددها الدولة من أجل تلبية احتياجات الشعب التونسي.

ثانياً، نحن نعمل على تشجيع وتعزيز اتفاقيات التعاون بين تونس وفرنسا لاسيما بين الهياكل العمومية في البلدين. فعلى سبيل المثال، ساهمنا في إعادة إطلاق التعاون الثنائي في مجال الصحة وكذلك في إقامة شراكة بين الديوان الوطني للإسكان في تونس ونظيره الفرنسي من أجل دعم المناطق الزراعية التي تضررت بشدة من الإجهاد المائي.

وأخيرًا، يتمثل مجال عملنا الثالث في دعم الفرنكفونية، اعترافًا بأهمية تونس الحيوية في هذا المجال. ونحن ندافع عن فكرة أن العالم الناطق بالفرنسية هو محرك حقيقي للتنمية. وفي قمة الفرنكوفونية في جربة، أتيحت لي الفرصة لتوجيه نداء إلى رئيس الجمهورية لجعل العالم الناطق بالفرنسية قوة ديناميكية تخلق الفرص. وفي نفس الوقت، نحن ملتزمون تماما بإبراز الدور الاستراتيجي لتونس في إفريقيا، من خلال تعزيز مكانتها كلاعب رئيسي في القارة. وباختصار، تلعب ما أسميه بالدبلوماسية المجتمعية دورا أساسيا، أي الدبلوماسية التي لا تحل محل عمل الدبلوماسيين بل تساهم بفعالية، من خلال التزام المجتمع المدني، بتعزيز علاقات الصداقة والتعاون بين فرنسا وتونس، وهما شريكان تاريخيا.

*ما هي أبرز المشاكل والصعوبات التي تعاني منها الجالية التونسية بفرنسا؟

تواجه الجالية التونسية في فرنسا عددا من التحديات الرئيسية المرتبطة أساسا بالإجراءات الإدارية المعقدة والبالية أحيانا.

ومن أجل التغلب على هذه الصعوبات، من الضروري تحديث هذه الإجراءات وإضفاء الطابع المادي عليها. في المنتدى الوطني للكفاءات التونسية، في شهر أوت الماضي، اقترحتُ إنشاء وكالة للجالية التونسية في الخارج لتحل محل مكتب التونسيين في الخارج. ومن شأن هذا الهيكل الجديد أن يجعل الإجراءات الإدارية مركزية ويوفر مرافقة أكثر تخصيصاً للتونسيين في فرنسا، وذلك بفضل المستشارين المتخصصين الذين سيحلون محل الملحقين الاجتماعيين.

بالإضافة إلى تحديث الإجراءات الإدارية، يواجه التونسيون في فرنسا عددًا من الصعوبات الخاصة فالطلبة التونسيون، على سبيل المثال، يواجهون تحديات كبيرة في الحصول على سكن مناسب، وهي مشكلة تتفاقم بسبب المنافسة على سكن الطلبة وارتفاع التكاليف في بعض المناطق. وعلاوة على ذلك، غالباً ما يكون العثور على فرصة عمل، معركة شاقة مع محدودية إمكانية الحصول على مهنة تتماشى مع تكوينهم.

هناك تحدٍ رئيسي آخر يتعلق بالاعتراف بالشهادات، لاسيما بالنسبة للأطباء وغيرهم من المتخصصين في الرعاية الصحية الذين تدربوا في تونس. يواجه العديد من الخريجين التونسيين، على الرغم من مهاراتهم، عقبات في الاعتراف بمؤهلاتهم في فرنسا. فالإجراءات الإدارية الطويلة والمعقدة تبطئ اندماجهم المهني وتمنعهم من ممارسة مهنتهم بشكل كامل.

وأعتقد أيضاً أنه من الضروري إعادة النظر في عمل المراكز الاجتماعية والثقافية في تونس. وينبغي أن تتطور هذه المراكز الاجتماعية والثقافية لتقدم المزيد من الدعم الموجه للتونسيين، لاسيما أولئك الذين يرغبون في الشروع في مشاريع مهنية أو مشاريع ريادة الأعمال. وقد اقترحتُ أن يتم تحويلها إلى ”دُور الانخراط وريادة الأعمال“ حتى تصبح مراكز موارد حقيقية توفر فرصًا للاندماج المهني وبعث المؤسسات ودعم العمل الجمعياتي لصالح تونس. وبالتالي، فإن تقديم الدعم للتونسيين في فرنسا مسألة إستراتيجية، ويمكن للجمعيات التونسية هناك، أن تلعب دورًا رئيسيًا في دعم هذه المبادرات. وبفضل إطار عمل منظم بشكل أفضل ودعم حديث، يمكن تسهيل اندماجهم وتعزيز الروابط التاريخية والإستراتيجية بين فرنسا وتونس.

*أجريت مؤخرا لقاءات مع عدد من المسؤولين من السلطة الفرنسية، ما هي أبرز مخرجات هذه اللقاءات في علاقة بالشأن التونسي؟

بالفعل أجريت مناقشات مع مستشاري عدد من الوزراء وكذلك مع ديوان رئيس الجمهورية الفرنسية لتناول القضايا الرئيسية، بالنسبة للرئيس قيس سعيد وتونس، وهي قضية الهجرة وقضية الأصول المجمدة في فرنسا منذ عهد بن علي وقضية تصدير زيت الزيتون التونسي.

وفي ما يتعلق بالهجرة غير النظامية، التقيت بمستشار وزير الداخلية الفرنسي لمناقشة أهمية تكثيف الدعم لتونس في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب وذكّرتُ بالجهود التي تبذلها تونس في مجال مكافحة هذه الهجرة وشددت على أن بلادنا لا يمكنها تحمل هذه المسؤولية بمفردها، كما دعوت إلى مقاربة جديدة يشارك فيها الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي من أجل إيجاد حلول مستدامة ومشتركة.

كما ناقشتُ مسألة الهجرة الدائرية مع حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإيليزي واقترحتُ على وجه الخصوص أن يتم تحديث اتفاقية عام 2008 للاستجابة بشكل أفضل للمشاكل الحالية، لاسيما في قطاع الصحة، لدعم مبادرة وزير الصحة مصطفى الفرجاني لتشجيع عودة كفاءاتنا الطبية إلى تونس.

وفي ما يتعلق بالأصول المنهوبة، كان لي اجتماع مع المستشار الدبلوماسي لوزير العدل لمناقشة العقبات التي تعترض استعادة الأصول المجمدة في فرنسا. وقد فوجئت إلى حد ما بملاحظة عدم اتخاذ أي خطوات رسمية في الآونة الأخيرة لاستهداف الصعوبات المحتملة واقتراح حلول لتجاوز العقبات. وإدراكاً مني لأهمية هذه المسألة بالنسبة للرئيس قيس سعيد ولتونس، فقد اقترحتُ تشكيل لجنة فرنسية تونسية مشتركة لإزالة العقبات الإدارية والقانونية وتسريع العملية.

وأخيراً، على الصعيد الاقتصادي، تحدثت مع المستشار الدبلوماسي لوزير الفلاحة حول دعم صادرات زيت الزيتون التونسي، هذا ولم يكن هناك أي اتصال مباشر بين السفارة التونسية في فرنسا ووزارة الفلاحة الفرنسية حول هذا الموضوع قبل هذا الاجتماع. وقد أعادت مبادرتي إطلاق الحوار بين الطرفين، مما يمهد الطريق لتعاون أوثق في هذا القطاع الاستراتيجي للاقتصاد التونسي.

وتُبرِز هذه اللقاءات الدور الأساسي لدبلوماسية الشراكة التي أدافع عنها: الحوار المباشر مع السلطات لتسهيل المبادلات وتذليل العقبات وإعطاء دفع للتعاون الملموس بين بدينا.

*إلى أي مدى تلعب الجالية التونسية في فرنسا دورا في دعم التعاون بين البلدين وكيف يمكن تعزيز هذا الدور لمزيد دعم تونس؟

تُعد الجالية التونسية في فرنسا رصيداً حقيقياً للتعاون بين بلدينا. ولا تقتصر هذه الكفاءات الاستثنائية على فرنسا بل تساهم أيضًا في تعزيز سمعة تونس على الصعيد الدولي. وتُعدّ هذه الجالية رصيدًا ثمينًا لاسيما في العلاقات الفرنسية التونسية، حيث تُسهّل المبادلات وتعزز الشراكات بين البلدين. ويمكن تعزيز هذا الدور من خلال توفير الموارد اللازمة لتقديم دعم أكبر لتونس، في المنتدى الوطني للجالية التونسية في الخارج الذي عقد في شهر أوت الماضي في الأكاديمية الدبلوماسية في تونس العاصمة، شددت على نقطة أساسية وهي أنه يجب ألا يُنظر إلى الجالية التونسية على أنها مصدر للعملة الأجنبية للبلاد فحسب، بل يجب الاعتراف بها كقوة اقتصادية حقيقية ورافعة للاستثمار ولاعب سياسي وأداة دبلوماسية إستراتيجية.

وبفضل الشبكات التي أنشأتها والخبرة التي تمتلكها، يمكن للجالية التونسية في المهجر أن تلعب دوراً رئيسياً في دعم تنمية تونس والدفاع عن أولوياتها على الصعيد الدولي. ومن خلال إتاحة شبكاتنا وخبراتنا ونفوذنا للبلاد، يمكننا تعزيز التعاون وتقديم دعم أكثر تنظيماً وفعالية لتونس.

لذلك لا بد من اعتماد نهج دبلوماسي جديد ودمج الجالية التونسية في الخارج بشكل كامل في استراتيجيات التنمية الوطنية وتزويدها بالأدوات التي تحتاجها للعمل بشكل مباشر وفعال أكثر نيابة عن البلاد.

أعتقد أنه يجب على جاليتنا في المهجر أن تتحمل مسؤولياتها أيضا من خلال تبني هذه الثقافة الجماعية للعمل معا لصالح تنمية تونس.

*الحديث يتمحور حاليا حول الهجرة غير النظامية، كيف تقيم هذه الظاهرة؟ وما هو الحل الأنسب للقضاء عليها؟

لا يمكن معالجة مسألة الهجرة غير النظامية بطريقة مبسطة، فهي تتطلب في رأيي مقاربة شاملة تجمع بين الأمني والإنساني والتنمية الاقتصادية. لقد أظهرت تونس بالفعل التزامها من خلال خفض تدفقات الهجرة إلى إيطاليا بنسبة 83 % في عام 2024 مقارنة بالعام السابق، وفقًا لبيانات وزارتي الداخلية الإيطالية والتونسية. فبينما وصل 96,000 مهاجر إلى إيطاليا في عام 2023، انخفض هذا الرقم إلى 19,000 مهاجر في عام 2024، وهو ما يشهد على حجم الجهود التي بذلتها تونس.

ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن تونس لا تستطيع تحمل هذا العبء بمفردها. لذلك من الضروري زيادة التعاون، لاسيما مع فرنسا والاتحاد الأوروبي. ويجب أن يتبنى الاتحاد الأوروبي نهجًا أكثر مرونة، مع شروط أقل ودعم مالي أكبر بما يتماشى مع الجهود التي تبذلها بلادنا. وينبغي أن يشمل هذا الدعم موارد لتحسين إدارة الهجرة في تونس في مواجهة الضغط الذي يفرضه هذا الوضع على البلاد.

ولحل مشكلة الهجرة غير النظامية للمواطنين التونسيين، من الضروري دعم تونس في إدارة الهجرة من إفريقيا جنوب الصحراء. ومن الضروري أيضاً العمل على مستوى متعدد الأطراف لتوفير حلول مستدامة ومنسقة.

 وفي الوقت نفسه، من الضروري أن ندين بشدة جميع أعمال العنف ضد المهاجرين. فالعنف ضد المهاجرين أمر غير مقبول، ولكن من المهم أيضًا الاعتراف بواقع غالبًا ما يتم إهماله وهو وجود العنف بين المهاجرين، وكذلك العنف الذي يعاني منه التونسيون من قبل هؤلاء وهذا الوضع يولد توترات اجتماعية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.

 لذا من الضروري شن معركة لا هوادة فيها ضد شبكات مهربي البشر، فهؤلاء المجرمون يستغلون الضائقة البشرية من أجل الربح، ويرسلون الرجال والنساء والأطفال إلى حتفهم.

وأدعو هنا إلى اتباع نهج مسؤول وعملي يجمع بين زيادة الدعم متعدد الأطراف والحزم المطلق ضد المهربين والحماية الصارمة لحقوق الإنسان. هذه هي الاستجابة الوحيدة المستدامة لهذا التحدي الكبير.

*كيف تُقيم العلاقة بين الجالية والدبلوماسية التونسية وما هي مقترحاتكم لمزيد تطوير هذه العلاقة؟

عموما يمكن القول إن العلاقة بين الدبلوماسية التونسية والجالية التونسية في الخارج بناءة إلى حد ما، لأنها تعترف بالقوة والمساهمة التي نمثلها في البلد الذي نعيش فيه. ومع ذلك، ألاحظ أحيانا أن هناك فجوة بين المبادئ التوجيهية التي حددها رئيس الجمهورية بوضوح فيما يتعلق بالعلاقات مع الجالية التونسية في الخارج وبين تطبيقها الفعلي على أرض الواقع. فالجالية التونسية في المهجر تمثل موردا ثمينا يمكنه، إذا ما تم إدماجه بشكل أفضل، أن يساهم بشكل كبير في الأولويات الإستراتيجية التي حددها رئيس الجمهورية قيس سعيد.

ومن الأهمية بمكان اعتبار الجالية التونسية قوة دبلوماسية قادرة على تعزيز مصالحنا وتنفيذ مشاريع واسعة النطاق وتعزيز علاقاتنا مع شريكنا الاستراتيجي التاريخي ألا وهو فرنسا.

يجب أن تتطور الدبلوماسية التونسية نحو مقاربة أكثر تفاعلية شمولية ويمكن للجالية التونسية أن تلعب فيها دورًا رئيسيًا من خلال المساهمة بخبراتها وشبكاتها وأفكارها في دعم تونس. وهذا لن يمكّن فقط من مواءمة العمل الدبلوماسي بشكل أفضل مع الأولويات الإستراتيجية لرئيس الجمهورية، بل من شأنه أيضا أن يعزز الروابط بين تونس وفرنسا، من خلال الاستفادة القصوى من إمكانات وقوة جاليتنا في المهجر. 

 

حوار: أميرة الدريدي

 رئيس "جمعية تعزيز التعاون والصداقة بين تونس وفرنسا" لـ"الصباح": هذه مقترحاتنا لحل أزمة الهجرة غير النظامية
- إنشاء وكالة للجالية التونسية في الخارج لتحل محل مكتب التونسيين في الخارج
- أدعو إلى تشكيل لجنة فرنسية تونسية مشتركة لإزالة العقبات الإدارية والقانونية أمام الأصول المجمدة

تحدث رئيس «جمعية تعزيز التعاون والصداقة بين تونس وفرنسا»، رائد شايبي، في حوار لـ«الصباح»، عن «الدبلوماسية المجتمعية» والسعي الى العمل على تشجيع وتعزيز اتفاقيات التعاون بين تونس وفرنسا لاسيما بين الهياكل العمومية في البلدين.

وكشف رائد شايبي عن موقفه من عدة قضايا تهم التونسيين بالخارج وتحديدا في فرنسا. كما تحدث عن قضية الهجرة غير النظامية والحلول التي من شأنها أن تساهم في القضاء على هذه الظاهرة وعن مقترح بشأن إنشاء وكالة للجالية التونسية في الخارج لتحل محل مكتب التونسيين في الخارج هذا فضلا عن قضية تصدير زيت الزيتون التونسي وغيرها من المسائل الأخرى في الحوار التالي:

*ما هي أبرز الأنشطة التي نظمتها جمعية دعم التعاون والصداقة بين فرنسا وتونس؟

تقوم جمعيتنا بثلاث مهام أساسية، أولاً، نقوم بإعداد مشاريع تضامنية في قطاعات إستراتيجية لتونس، مثل التعليم والصحة وريادة الأعمال الاجتماعية والثقافة والبيئة والشباب. وتنفذ هذه المبادرات بما يتماشى مع الأولويات التي تحددها الدولة من أجل تلبية احتياجات الشعب التونسي.

ثانياً، نحن نعمل على تشجيع وتعزيز اتفاقيات التعاون بين تونس وفرنسا لاسيما بين الهياكل العمومية في البلدين. فعلى سبيل المثال، ساهمنا في إعادة إطلاق التعاون الثنائي في مجال الصحة وكذلك في إقامة شراكة بين الديوان الوطني للإسكان في تونس ونظيره الفرنسي من أجل دعم المناطق الزراعية التي تضررت بشدة من الإجهاد المائي.

وأخيرًا، يتمثل مجال عملنا الثالث في دعم الفرنكفونية، اعترافًا بأهمية تونس الحيوية في هذا المجال. ونحن ندافع عن فكرة أن العالم الناطق بالفرنسية هو محرك حقيقي للتنمية. وفي قمة الفرنكوفونية في جربة، أتيحت لي الفرصة لتوجيه نداء إلى رئيس الجمهورية لجعل العالم الناطق بالفرنسية قوة ديناميكية تخلق الفرص. وفي نفس الوقت، نحن ملتزمون تماما بإبراز الدور الاستراتيجي لتونس في إفريقيا، من خلال تعزيز مكانتها كلاعب رئيسي في القارة. وباختصار، تلعب ما أسميه بالدبلوماسية المجتمعية دورا أساسيا، أي الدبلوماسية التي لا تحل محل عمل الدبلوماسيين بل تساهم بفعالية، من خلال التزام المجتمع المدني، بتعزيز علاقات الصداقة والتعاون بين فرنسا وتونس، وهما شريكان تاريخيا.

*ما هي أبرز المشاكل والصعوبات التي تعاني منها الجالية التونسية بفرنسا؟

تواجه الجالية التونسية في فرنسا عددا من التحديات الرئيسية المرتبطة أساسا بالإجراءات الإدارية المعقدة والبالية أحيانا.

ومن أجل التغلب على هذه الصعوبات، من الضروري تحديث هذه الإجراءات وإضفاء الطابع المادي عليها. في المنتدى الوطني للكفاءات التونسية، في شهر أوت الماضي، اقترحتُ إنشاء وكالة للجالية التونسية في الخارج لتحل محل مكتب التونسيين في الخارج. ومن شأن هذا الهيكل الجديد أن يجعل الإجراءات الإدارية مركزية ويوفر مرافقة أكثر تخصيصاً للتونسيين في فرنسا، وذلك بفضل المستشارين المتخصصين الذين سيحلون محل الملحقين الاجتماعيين.

بالإضافة إلى تحديث الإجراءات الإدارية، يواجه التونسيون في فرنسا عددًا من الصعوبات الخاصة فالطلبة التونسيون، على سبيل المثال، يواجهون تحديات كبيرة في الحصول على سكن مناسب، وهي مشكلة تتفاقم بسبب المنافسة على سكن الطلبة وارتفاع التكاليف في بعض المناطق. وعلاوة على ذلك، غالباً ما يكون العثور على فرصة عمل، معركة شاقة مع محدودية إمكانية الحصول على مهنة تتماشى مع تكوينهم.

هناك تحدٍ رئيسي آخر يتعلق بالاعتراف بالشهادات، لاسيما بالنسبة للأطباء وغيرهم من المتخصصين في الرعاية الصحية الذين تدربوا في تونس. يواجه العديد من الخريجين التونسيين، على الرغم من مهاراتهم، عقبات في الاعتراف بمؤهلاتهم في فرنسا. فالإجراءات الإدارية الطويلة والمعقدة تبطئ اندماجهم المهني وتمنعهم من ممارسة مهنتهم بشكل كامل.

وأعتقد أيضاً أنه من الضروري إعادة النظر في عمل المراكز الاجتماعية والثقافية في تونس. وينبغي أن تتطور هذه المراكز الاجتماعية والثقافية لتقدم المزيد من الدعم الموجه للتونسيين، لاسيما أولئك الذين يرغبون في الشروع في مشاريع مهنية أو مشاريع ريادة الأعمال. وقد اقترحتُ أن يتم تحويلها إلى ”دُور الانخراط وريادة الأعمال“ حتى تصبح مراكز موارد حقيقية توفر فرصًا للاندماج المهني وبعث المؤسسات ودعم العمل الجمعياتي لصالح تونس. وبالتالي، فإن تقديم الدعم للتونسيين في فرنسا مسألة إستراتيجية، ويمكن للجمعيات التونسية هناك، أن تلعب دورًا رئيسيًا في دعم هذه المبادرات. وبفضل إطار عمل منظم بشكل أفضل ودعم حديث، يمكن تسهيل اندماجهم وتعزيز الروابط التاريخية والإستراتيجية بين فرنسا وتونس.

*أجريت مؤخرا لقاءات مع عدد من المسؤولين من السلطة الفرنسية، ما هي أبرز مخرجات هذه اللقاءات في علاقة بالشأن التونسي؟

بالفعل أجريت مناقشات مع مستشاري عدد من الوزراء وكذلك مع ديوان رئيس الجمهورية الفرنسية لتناول القضايا الرئيسية، بالنسبة للرئيس قيس سعيد وتونس، وهي قضية الهجرة وقضية الأصول المجمدة في فرنسا منذ عهد بن علي وقضية تصدير زيت الزيتون التونسي.

وفي ما يتعلق بالهجرة غير النظامية، التقيت بمستشار وزير الداخلية الفرنسي لمناقشة أهمية تكثيف الدعم لتونس في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب وذكّرتُ بالجهود التي تبذلها تونس في مجال مكافحة هذه الهجرة وشددت على أن بلادنا لا يمكنها تحمل هذه المسؤولية بمفردها، كما دعوت إلى مقاربة جديدة يشارك فيها الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي من أجل إيجاد حلول مستدامة ومشتركة.

كما ناقشتُ مسألة الهجرة الدائرية مع حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإيليزي واقترحتُ على وجه الخصوص أن يتم تحديث اتفاقية عام 2008 للاستجابة بشكل أفضل للمشاكل الحالية، لاسيما في قطاع الصحة، لدعم مبادرة وزير الصحة مصطفى الفرجاني لتشجيع عودة كفاءاتنا الطبية إلى تونس.

وفي ما يتعلق بالأصول المنهوبة، كان لي اجتماع مع المستشار الدبلوماسي لوزير العدل لمناقشة العقبات التي تعترض استعادة الأصول المجمدة في فرنسا. وقد فوجئت إلى حد ما بملاحظة عدم اتخاذ أي خطوات رسمية في الآونة الأخيرة لاستهداف الصعوبات المحتملة واقتراح حلول لتجاوز العقبات. وإدراكاً مني لأهمية هذه المسألة بالنسبة للرئيس قيس سعيد ولتونس، فقد اقترحتُ تشكيل لجنة فرنسية تونسية مشتركة لإزالة العقبات الإدارية والقانونية وتسريع العملية.

وأخيراً، على الصعيد الاقتصادي، تحدثت مع المستشار الدبلوماسي لوزير الفلاحة حول دعم صادرات زيت الزيتون التونسي، هذا ولم يكن هناك أي اتصال مباشر بين السفارة التونسية في فرنسا ووزارة الفلاحة الفرنسية حول هذا الموضوع قبل هذا الاجتماع. وقد أعادت مبادرتي إطلاق الحوار بين الطرفين، مما يمهد الطريق لتعاون أوثق في هذا القطاع الاستراتيجي للاقتصاد التونسي.

وتُبرِز هذه اللقاءات الدور الأساسي لدبلوماسية الشراكة التي أدافع عنها: الحوار المباشر مع السلطات لتسهيل المبادلات وتذليل العقبات وإعطاء دفع للتعاون الملموس بين بدينا.

*إلى أي مدى تلعب الجالية التونسية في فرنسا دورا في دعم التعاون بين البلدين وكيف يمكن تعزيز هذا الدور لمزيد دعم تونس؟

تُعد الجالية التونسية في فرنسا رصيداً حقيقياً للتعاون بين بلدينا. ولا تقتصر هذه الكفاءات الاستثنائية على فرنسا بل تساهم أيضًا في تعزيز سمعة تونس على الصعيد الدولي. وتُعدّ هذه الجالية رصيدًا ثمينًا لاسيما في العلاقات الفرنسية التونسية، حيث تُسهّل المبادلات وتعزز الشراكات بين البلدين. ويمكن تعزيز هذا الدور من خلال توفير الموارد اللازمة لتقديم دعم أكبر لتونس، في المنتدى الوطني للجالية التونسية في الخارج الذي عقد في شهر أوت الماضي في الأكاديمية الدبلوماسية في تونس العاصمة، شددت على نقطة أساسية وهي أنه يجب ألا يُنظر إلى الجالية التونسية على أنها مصدر للعملة الأجنبية للبلاد فحسب، بل يجب الاعتراف بها كقوة اقتصادية حقيقية ورافعة للاستثمار ولاعب سياسي وأداة دبلوماسية إستراتيجية.

وبفضل الشبكات التي أنشأتها والخبرة التي تمتلكها، يمكن للجالية التونسية في المهجر أن تلعب دوراً رئيسياً في دعم تنمية تونس والدفاع عن أولوياتها على الصعيد الدولي. ومن خلال إتاحة شبكاتنا وخبراتنا ونفوذنا للبلاد، يمكننا تعزيز التعاون وتقديم دعم أكثر تنظيماً وفعالية لتونس.

لذلك لا بد من اعتماد نهج دبلوماسي جديد ودمج الجالية التونسية في الخارج بشكل كامل في استراتيجيات التنمية الوطنية وتزويدها بالأدوات التي تحتاجها للعمل بشكل مباشر وفعال أكثر نيابة عن البلاد.

أعتقد أنه يجب على جاليتنا في المهجر أن تتحمل مسؤولياتها أيضا من خلال تبني هذه الثقافة الجماعية للعمل معا لصالح تنمية تونس.

*الحديث يتمحور حاليا حول الهجرة غير النظامية، كيف تقيم هذه الظاهرة؟ وما هو الحل الأنسب للقضاء عليها؟

لا يمكن معالجة مسألة الهجرة غير النظامية بطريقة مبسطة، فهي تتطلب في رأيي مقاربة شاملة تجمع بين الأمني والإنساني والتنمية الاقتصادية. لقد أظهرت تونس بالفعل التزامها من خلال خفض تدفقات الهجرة إلى إيطاليا بنسبة 83 % في عام 2024 مقارنة بالعام السابق، وفقًا لبيانات وزارتي الداخلية الإيطالية والتونسية. فبينما وصل 96,000 مهاجر إلى إيطاليا في عام 2023، انخفض هذا الرقم إلى 19,000 مهاجر في عام 2024، وهو ما يشهد على حجم الجهود التي بذلتها تونس.

ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن تونس لا تستطيع تحمل هذا العبء بمفردها. لذلك من الضروري زيادة التعاون، لاسيما مع فرنسا والاتحاد الأوروبي. ويجب أن يتبنى الاتحاد الأوروبي نهجًا أكثر مرونة، مع شروط أقل ودعم مالي أكبر بما يتماشى مع الجهود التي تبذلها بلادنا. وينبغي أن يشمل هذا الدعم موارد لتحسين إدارة الهجرة في تونس في مواجهة الضغط الذي يفرضه هذا الوضع على البلاد.

ولحل مشكلة الهجرة غير النظامية للمواطنين التونسيين، من الضروري دعم تونس في إدارة الهجرة من إفريقيا جنوب الصحراء. ومن الضروري أيضاً العمل على مستوى متعدد الأطراف لتوفير حلول مستدامة ومنسقة.

 وفي الوقت نفسه، من الضروري أن ندين بشدة جميع أعمال العنف ضد المهاجرين. فالعنف ضد المهاجرين أمر غير مقبول، ولكن من المهم أيضًا الاعتراف بواقع غالبًا ما يتم إهماله وهو وجود العنف بين المهاجرين، وكذلك العنف الذي يعاني منه التونسيون من قبل هؤلاء وهذا الوضع يولد توترات اجتماعية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.

 لذا من الضروري شن معركة لا هوادة فيها ضد شبكات مهربي البشر، فهؤلاء المجرمون يستغلون الضائقة البشرية من أجل الربح، ويرسلون الرجال والنساء والأطفال إلى حتفهم.

وأدعو هنا إلى اتباع نهج مسؤول وعملي يجمع بين زيادة الدعم متعدد الأطراف والحزم المطلق ضد المهربين والحماية الصارمة لحقوق الإنسان. هذه هي الاستجابة الوحيدة المستدامة لهذا التحدي الكبير.

*كيف تُقيم العلاقة بين الجالية والدبلوماسية التونسية وما هي مقترحاتكم لمزيد تطوير هذه العلاقة؟

عموما يمكن القول إن العلاقة بين الدبلوماسية التونسية والجالية التونسية في الخارج بناءة إلى حد ما، لأنها تعترف بالقوة والمساهمة التي نمثلها في البلد الذي نعيش فيه. ومع ذلك، ألاحظ أحيانا أن هناك فجوة بين المبادئ التوجيهية التي حددها رئيس الجمهورية بوضوح فيما يتعلق بالعلاقات مع الجالية التونسية في الخارج وبين تطبيقها الفعلي على أرض الواقع. فالجالية التونسية في المهجر تمثل موردا ثمينا يمكنه، إذا ما تم إدماجه بشكل أفضل، أن يساهم بشكل كبير في الأولويات الإستراتيجية التي حددها رئيس الجمهورية قيس سعيد.

ومن الأهمية بمكان اعتبار الجالية التونسية قوة دبلوماسية قادرة على تعزيز مصالحنا وتنفيذ مشاريع واسعة النطاق وتعزيز علاقاتنا مع شريكنا الاستراتيجي التاريخي ألا وهو فرنسا.

يجب أن تتطور الدبلوماسية التونسية نحو مقاربة أكثر تفاعلية شمولية ويمكن للجالية التونسية أن تلعب فيها دورًا رئيسيًا من خلال المساهمة بخبراتها وشبكاتها وأفكارها في دعم تونس. وهذا لن يمكّن فقط من مواءمة العمل الدبلوماسي بشكل أفضل مع الأولويات الإستراتيجية لرئيس الجمهورية، بل من شأنه أيضا أن يعزز الروابط بين تونس وفرنسا، من خلال الاستفادة القصوى من إمكانات وقوة جاليتنا في المهجر. 

 

حوار: أميرة الدريدي

  Conception & Réalisation  Alpha Studios Copyright © 2023  assabahnews