- بودربالة: سنراقب جميع القروض التي صادق عليها المجلس النيابي
أكد رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة أن المجلس سيراقب كيفية تنفيذ جميع قوانين القروض التي صادق عليها منذ انطلاق أشغاله، وبين أن البرلمان صادق إلى حد الآن على 28 مشروع قانون تتعلق بقروض، منها 8 قروض فقط لتمويل الميزانية والبقية تهم الاستثمار، ورغم أن أغلب القروض تهدف إلى تمويل الاستثمار فسيتم حسب قوله مراقبة تنفيذ جميع هذه القروض دون استثناء.
وأضاف بودربالة أمس خلال اليوم الدراسي المنعقد ببادرة من الأكاديمية البرلمانية بقصر باردو حول تقنيات صياغة النصوص القانونية من أجل ضمان جودة تشريعية، أن مكتب المجلس قرر تكوين ثلاث فرق عمل وأن هذه الفرق شرعت في تنظيم اجتماعاتها وذكر أنه تمت مراسلة الكتل ومجموعات غير المنتمين إلى كتل لمطالبتها بتعيين ممثليها في الفرق المذكورة من أجل تقييم أداء المجلس النيابي على المستوى التشريعي، وأدائه على المستوى الرقابي، وأدائه على مستوى الدبلوماسية البرلمانية، وأشار إلى أنه سيتم تنظيم أيام دراسية لمراكمة خبرات النواب بهدف تحسين أداء المجلس على المستوى التشريعي، وسيتم التواصل مع مجموعة من الخبراء بغاية تطوير العمل الرقابي كما سيتم التركيز على تطوير الدبلوماسية البرلمانية وفي هذا الصدد سيقع تقديم مقترحات في الغرض بما يجعل الدبلوماسية البرلمانية متناغمة مع ما جاء به دستور 2022. وأعلن رئيس المجلس أنه سيقع خلال الثلاثية الثانية تنظيم ورشات عمل خلال الثلاثية الثانية حول كيفية إعداد الميزانية.
وتطرق بودربالة قبل ذلك إلى أهداف اليوم الدراسي حول تقنيات صياغة النص التشريعي من أجل جودة تشريعية والغاية من تشريك مختصين في القانون وهما محمد حمودة وهو دكتور دولة في القانون الخاص وأستاذ جامعي مبرز بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس ومنير الفرشيشي القاضي والمدير العام لمركز الدراسات القانونية والقضائية.
وخلال النقاش طالب العديد من النواب بضرورة تمكينهم من الآليات اللازمة للقيام بثورة تشريعية تساهم في تقديم حلول حقيقية لمشاكل التونسيين وفي تغيير أوضاعهم المعيشية إلى الأفضل، وأوصوا باعتماد مقاربة تشاركية بين الوظيفة التنفيذية والوظيفة التشريعية في إعداد مشاريع النصوص القانونية، وشددوا على ضرورة إرفاق هذه المشاريع بدراسات حول تأثيراتها المرتقبة وخاصة بوثائق شرح أسباب تتضمن معطيات ضافية من شأنها أن تنير المشرع، ودعا آخرون إلى غربلة الترسانة القانونية القديمة لملاءمتها مع أحكام دستور 2022 ومع الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس، وهناك منهم من تحدث عن وجود تضخم تشريعي، وعن قوانين لم تطبق وأخرى غير قابلة للتطبيق، واقترحوا تجميع النصوص المبعثرة في مجلات قانونية موحدة واضحة الصياغة ومقروءة. وانتقد بعض النواب الصيغة الأصلية لمشاريع قوانين تم تقديمها في وقت سابق من قبل الحكومة رغم امتلاكها للمعلومات ولمراكز الدراسات ورغم أن الوزارات تغص بالإطارات العليا المختصة في القانون والاقتصاد وغيرها من المجالات، في حين أشار البعض الآخر إلى التضارب التشريعي بين الحكومة والنواب وفسروا أنه أمام تأخر الوظيفة التنفيذية في إحالة مشاريع القوانين إلى المجلس النيابي تولى النواب تقديم مبادرات تشريعية لنفس الغرض.
النائب منير الكموني بين أن الجميع يتحدثون عن ضرورة القيام بثورة تشريعية، وتساءل هل أن الثورة التشريعية تتم من خلال تعدد النصوص أم من خلال تجويد صياغة هذه النصوص، وأضاف أن المجلس عاش ومازال يعيش مشكل تنازع الاختصاص مع الوظيفة التنفيذية وهناك مشاكل يقف عليها النائب مردها القوانين الموجودة مثل الفصل 97 ويرى الكموني انه عوضا عن مناقشة مشروع قانون يجب مناقشة المشكل الموجود على أرض الواقع ومحاولة إيجاد حلول له عبر سن القانون.
أما النائبة عواطف الشنيتي فلاحظت أن مشاريع القوانين المقدمة من قبل الحكومة لا ترتقي لكي تكون مشاريع قوانين رغم وجود مكاتب دراسات ومختصين في القانون، لذلك تقدم النواب بمبادرات تشريعية حاولوا من خلالها تحقيق إضافة لكن هذا العمل يبقى منقوصا لأن كتابة القوانين هي فن. وطالبت بغربلة المبادرات التشريعية التي يبلغ عددها 43 مبادرة بالاستعانة بمختصين في القانون ليتم الإبقاء على أفضل النصوص التي يمكن أن تقدم حلولا للشعب. كما طالبت رئيس المجلس بانتداب مختصين في القانون لمرافقة أعمال النواب.
حوكمة تشريعية
النائب رياض جعيدان قال إن نابليون بونبارت عندما ذهب إلى مصر حمل معه فقهاء في القانون وكانت لهذا الخيار آثار كبيرة لاحقا. وذكر أن المشرعين غير مطالبين بالصياغة لأن الصياغة تقتضي وجود أناس متمكنين من فن صياغة القوانين، وفسر أن النواب من حقهم تقديم مبادرات تشريعية وإدخال تعديلات على المشاريع التي تقدمها الحكومة لإضفاء لمسة المشرع عليها وأشار إلى أهمية مداولات مجلس نواب الشعب لأنه كلما حصل مشكل في تأويل نص قانوني أو فهم مقصد المشرع تتم العودة إلى المداولات. ويرى النائب انه لا بد من دراسة تأثير مشروع القانون أو مقترح القانون ومراعاة البعد الاستراتيجي للقانون ولا بد أيضا من حسن الحوكمة التشريعية، وفسر أنه في العقدين الماضيين هناك تضخم تشريعي وهناك نصوص غير واضحة وغياب شرح الأسباب في العديد من مشاريع القوانين والأخطر من ذلك هناك قوانين نقلت حرفيا عن قوانين أجنبية مثل قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص وتبين أن هذا القانون لا ينطبق مع الواقع التونسي ونفس الشيء بالنسبة إلى قانون اللزمات، وبين جعيدان أنه يوجد قانون يتعلق بالمنافسة تم تعديله أكثر من مرة وهناك اليوم مشروع لتعديله مرة أخرى وهو ما يدل على غياب البعد الاستراتيجي في التشريع. وفسر أن القاعدة القانونية اليوم أصبحت تنافسية، فتونس مثلا ترغب في جلب المستثمرين ورغم وجود ترسانة من القوانين التي تهم الاستثمار فإنها لم تساهم في دفع الاستثمار لأنه لا يوجد فيها نفس استراتيجي، وذكران الدول اليوم أصبحت تتنافس فيما بينها على مستوى جاذبية القوانين. وبين أنه من قواعد إعداد القاعدة القانونية هي اعتماد مقاربة تشاركية بين الوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية وذكر أنه امام تأخير الحكومة في تقديم مشاريع قوانين يقوم النواب بمبادرات ولو كانت هناك مقاربة تشاركية لسمحت بوضع روزنامة تشريعية واضحة بصفة مسبقة وبهذه الكيفية يتم وضع الأرضية الملائمة لنقاش المشاريع والمبادرات التشريعية في المجلس. وأضاف أنه لا بد من القيام بمشاورات حول مشاريع النصوص بصفة مسبقة ومشاورات لاحقة عند وصول المشروع للجنة البرلمانية المختصة. ولاحظ أن النائب غير مطالب بصياغة النصوص بل هو يبادر ويقدم مقترحا لتتم الاستعانة بمختصين في الصياغة وفي تونس هناك مدرسة تشريعية في فن الصياغة، وخلص إلى أنه يجب القيام بحوكمة تشريعية والتفكير في آليات جديدة من قبيل تكوين لجنة من المختصين في الصياغة.
وبينت النائبة نورة الشبراك أن النائب غير مطالب بإتقان تقنيات صياغة النصوص القانونية لكن عليه التأكيد على ضرورة دراسة آثار النصوص وتقييم مدى تنفيذ النصوص القانونية الصادرة بالرائد الرسمي لأن هناك نصوص لم يمكن وضعها من إيجاد الحلول التي انتظرها المشرع. وبينت أن تونس أمضت على عدة اتفاقيات دولية لكن النصوص القانونية لا تتطابق مع تلك الاتفاقيات مثل القانون التوجيهي لذوي الإعاقة، كما أن القوانين التونسية لا تتلاءم مع الاتفاقية المتعلقة بالتغيرات المناخية.
وبينت النائبة ريم الصغير أن النواب وجدوا صعوبات في القيام بدورهم التشريعي وأن الأمر لا يتعلق بصياغة القوانين فقط بل أيضا بتنقيح القوانين، ومن بين الصعوبات الأخرى التي يجدها النائب عدم وجود مرافقين ولاحظت أن الآليات الموجودة في المجلس لا ترتقي لجعل عضو مجلس النواب يقوم بدوره على النحو المطلوب.
أزمة قانونية
وبينت النائبة منال بديده أنه عند متابعة عمل المشرع منذ الاستقلال إلى اليوم يمكن القول إن فن التشريع توقف منذ التسعينات، وأضافت أنه توجد اليوم في تونس أزمة في صناعة القانون وأزمة في صياغة القانون وأزمة على مستوى تطبيق القوانين فهناك قوانين تبقى حبرا على ورق أو تظل تنتظر صدور الأوامر التطبيقية. وترى أن الأزمة مردها تشتت مجال القانون فهناك نصوص تضعها الوظيفة التنفيذية وأخرى تضعها الوظيفة التشريعية. وتساءلت هل يمكن للبرلمان إصدار دليل إجرائي في صياغة القانون أو سن قانون يضبط شروط صياغة القانون، وهل أن القوانين الاستثنائية لها تأثير سلبي على وضع القانون في تونس وهل يمكن للقانون الاستغناء على القاعدة الترتيبية.
ويرى النائب عبد الحافظ الوحيشي أن المطلوب من الوظيفة التشريعية هو القيام بثورة تشريعية وهذه الثورة لها أهداف يجب أن تراعي طبيعة المرحلة ومتطلبات المسار. وأشار إلى النواب يجدون أحيانا صعوبة في فهم الواقع خاصة عندما يكون هناك تضارب بين ما هو موجود على ارض الواقع وما هو مطلوب.
وأشار النائب مسعود قريرة إلى أن النص التشريعي هو نص موجز قابل للتطبيق ويحل مشكلة موجودة في الوقت الراهن ويجب ضمان أن تكون له استمرارية في التاريخ ويرى أنه معرة على المشرع الذي يفكر في نصوص ليست لها صبغة مجردة وتصاغ على المقاس وأضاف أن أهم ما في النص القانوني هو وضع دراسة حول تأثيره المالي وتأثيره على العلاقات الخارجية وبين أنه يجب التخلص من التضخم التشريعي.
وبينت النائبة بسمة الهمامي أن النواب تم انتخابهم على الأفراد وأنهم أثناء الحملة تقدموا بوعود تشريعية وذكرت أنها اقترحت في برنامجها الانتخابي رفع مشاكل حياتية يعاني منها التونسيون منها على سبيل الذكر عدم توفر الماء وترى أن كل وظيفة تشريعية هي ترجمة للإرادة الشعبية إلى قوانين تخدم الصالح العام ومنها الحق في الماء المنصوص عليه في الدستور لذلك بادرت بتقديم مقترح قانون في الغرض. ولاحظت أن البرلمان غرق في الدور الرقابي لكن انتظارات النواب في علاقة بالتشريع أكبر مما تقدمه الوزارات.
فن كتابة القانون
وقبل النقاش، استمع النواب إلى محاضرة قدمها محمد حمودة دكتور دولة في القانون الخاص، وأستاذ جامعي مبرز بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس وتحدث فيها عن فن كتابة القانون، بمعنى التعبير القانوني من خلال اقتران روح التشريع مع الذوق القانوني، وبين أن هذه العملية هي تطويع لمشاعر الأمة واهتزازاتها في إيقاعاتها المتسارعة وبطئها الهادئ. وفسر المقصود بالفن في كتابة النص القانوني بالإشارة إلى أن الفن هو تعبير عن الجمالية وهو أيضا مجموعة من الوسائل والآليات الهادفة إلى تحقيق غايات معينة. وبين أن فن كتابة القانون هو تفكير في حاجيات المجتمع وتحسس للآليات الكفيلة بترجمتها في نصوص وبالتالي فإن الفن التشريعي في جوهره هو امتداد لوظيفة تشريعية تتمثل في تمكين الأمة من آليات معينة لإدارة شؤونها ولضمان أمنها القانوني بشكل عام.
وأشار الجامعي إلى أن المتلقي الذي يتوجه له المشرع من خلال سن النص القانوني، هو كافة الناس، وبين أن هناك مقولة مفادها أن الجاهل لا يعذر بجهله للقانون، لكن هذه الفرضية البديهية غير سليمة لأن النصوص القانونية تكون أحيانا مثقلة بالتراتيب المعقدة وأحيانا أخرى تدخل عليها تنقيحات عديدة لترميمها بما يجعل فهمها من قبل عامة الناس صعبا، ويعد القانون التونسي المتعلق بالاستثمار أبرز مثال على ذلك. وأضاف أن صياغة النصوص القانونية يجب أن تتسم بالدقة وبالوضوح الذي يترتب عن فكر ثاقب. ولاحظ أن بعض النصوص القانونية تسافر من مجلة إلى أخرى كما تقتضي طبيعة التشريع أحيانا أن يكون النص تقنيا كأن يكون موجها لفئة معينة من المشتغلين بالشأن القانوني ومثل هذه النصوص عادة لا يفهمها إلا المختصون في القانون. وخلص الجامعي إلى أن فن كتابة القانون هو إدراك ما يفهمه كافة الناس ولاحظ أن القانون يتحدث أحيانا بلغة سهلة يفهمها الجميع وأحيانا أخرى بلغة تتسم بالصرامة والدقة التي تترجم عن إبداع في صياغة النصوص، وبين أن المشرع التونسي دأب منذ بداية القرن العشرين وخاصة منذ صياغة مجلة الالتزامات والعقود على انتقاء المصطلحات بدقة وإضفاء عليها الدلالات الضرورية لكن المشرع أحيانا يتعمد السكوت لأن فن كتابة النصوص القانونية تقتضي أيضا إتقان فن الصمت الذي يكون أبلغ من الكلام .
وفسر الأستاذ محمد بن محمود أن كتابة النص القانوني هي فن مهامه متولدة عن تراكمات افرزها التاريخ والثقافة، وبين أنه قبل كتابة النص القانوني يجب التفكير في تصور لهذا النص لأن فن التفكير في القانون يؤدي إلى تحديد المهيئات والمتممات، والمقصود بالمهيئات حسب قوله القدرة على وضع القواعد القانونية الأساسية والضوابط، والقدرة على المواءمة بين التحديات المتعددة والمصالح المختلفة وكل ذلك في إطار التوق إلى المثالية في صياغة القاعدة القانونية. وأشار إلى أنه إضافة إلى المهيئات هناك المتممات وهي بالحرص على صياغة النصوص الضرورية وقدّها بأسلوب واضح و بلغة سليمة وبشكل جيد.
وقال الجامعي إن نواب الشعب مطالبون عند صياغة أي نص قانوني بالقيام بتصور استباقي لتطبيقه في الواقع وعليهم الحرص على تأمين استدامة النص القانوني، فالقانون حسب وصفه يسافر عبر الزمن وذلك لا بد من الدقة في كتابة القاعدة القانونية وضمان المرونة. وأضاف أنه بعد الحديث عن فن التفكير في القانون تأتي مرحلة فن صياغة القانون التي تقوم على الجمالية في النص القانوني، وتستوجب هذه الجمالية الوضوح والسلاسة والبساطة وكذلك الصرامة وحسن اختيار المصطلحات، ولاحظ أن هناك بعض النصوص قدت بحروف من ذهب، فهي واضحة وبسيطة وسلسة ودقيقة ومتناسقة. وفسر أن نجاعة النص القانوني وضمان الأمن القانوني يستوجبان أن تكون القاعدة القانونية واضحة ودقيقة ومتناسقة مع الأهداف التي وضعت من أجلها ومراعية للمصلحة العامة ومتلائمة مع الدستور والاتفاقيات الدولية وخلص الأستاذ محمد حمودة إلى أن التفكير في القانون يستوجب عبقرية بينما صياغة القانون هي فن.
صياغة القوانين
عن طرق صياغة النص التشريعي، تحدث منير الفرشيشي القاضي، ومدير عام مركز الدراسات القانونية والقضائية، وبين بالخصوص أن عملية التشريع مهمة صعبة وشاقة، وأضاف أن بناء النص القانوني أمر خطير، وذكر أنه يوجد فرق بين المبادرة التشريعية وصياغة النص القانوني، لأن المبادرة التشريعية هي لب التشريع، أما الصياغة فيمكن أن لا تتم بالضرورة من قبل المشرع. ولاحظ أن صياغة القوانين حرفة وتقنية، وأنه لا توجد مراجع أساسية موحدة في الصياغة، بل هناك طرق مختلفة وتجارب متنوعة، وبين أن النص القانوني يجب أن يكون له معنى وحيد وهو المعنى الذي تقتضيه عباراته، وبقدر ما تكون اللغة صحيحة بقدر ما يكون معنى القانون صحيحا. وأضاف أن القاضي عندما يحكم استنادا إلى قانون معين فيجب عليه أن يحكم بحسب مقصد المشرع وليس انطلاقا من فهمه الخاص لذلك القانون، لذلك على المشرع عندما يشرع أن يولي أهمية كبيرة للمداولات، وبين أنه يجب على المشرع أن يأخذ بعين الاعتبار المراجع الإيحائية للتشريع والقواعد العامة لصياغة النصوص القانونية وتقنيات الصياغة، وأوضح أن القواعد العامة التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند صياغة النص القانوني هي الشرعية والأمان القانوني والمعقولية واحترام التنظيم الهرمي للقوانين كما يجب تحديد قائمة الاستطلاعات مع ضمان الدقة والتناغم والانسجام والصبغة التشريعية للنص وحسن ترتيب الفصول واحترام قواعد اللغة لأن من لا يعرف قواعد اللغة لا يمكنه تأويل النص القانوني. وفسر أن المطلوب من النواب الابتعاد عن الجمل الوصفية والاستفهامية واستعمال جمل تقريرية ويمكن أن تكون هذه الجمل اسمية من قبيل «تعدد الزوجات ممنوع» ولكن أحيانا يتطلب الأمر أن تكون الجملة فعلية، وخلص القاضي منير الفرشيشي إلى أن النص القانوني يجب أن يكون واضحا وبسيطا وجمله قصيرة، واستدل في مداخلته بأمثلة حية من مجلة الالتزامات والعقود ومجلة الأحوال الشخصية خاصة ما تعلق فيها بالمواريث، ويرى القاضي أن تقوية النصوص القانونية تتم من خلال استماع النواب إلى الجهات المعنية ومن خلال وضع وثيقة شرح أسباب واضحة وثرية وكذلك من خلال تحديد آثار القانون وكلفته المالية. كما لاحظ الفرشيشي بدوره وجود ظاهرة تضخم تشريعي في تونس، وقدم مثالا على ذلك النصوص التي تهم الاستثمار وتحدث عن مخاطر التناقضات الموجودة بين بعضها، وقال إنه لا بد من القيام بالإصلاح التشريعي كما يجب على واضع النص التشريعي الاستماع بشكل مسبق إلى المجتمع المعني بهذا النص والاستماع إلى الخبراء وتشريك الهياكل المتدخلة ويجب إرفاق مشروع القانون أو المبادرة التشريعية بوثيقة شرح الأسباب وبدراسة تأثيرات النص القانوني المقترح.
وتفاعلا مع ملاحظات النواب بين الجامعي محمد حمودة أن مطلب وضع الدليل الإجرائي لصياغة النص القانوني المقدم من قبل النواب مشروع ولاحظ أن المجالس التشريعية في العالم دأبت على وضع هذه الأدلة. وتعقيبا عن استفسار حول رأيه في النصوص القانونية الاستثنائية قال إن القوانين الاستثنائية عموما منبوذة لأن القانون يجب أن يكون عاما ومجردا ولا يخص حالة استثنائية. ولاحظ أن عدم الملاءمة بين القوانين والنصوص الترتيبية يطرح إشكالا كبيرا ونفس الشيء بالنسبة إلى تشتت النصوص القانونية فهي بدورها مشكلة، ويقتضي تجميع النصوص وضع تصور شامل ومراعاة جميع الفصول المبثوثة في مختلف القوانين. وخلص إلى أنه لا بد من العمل على لم الشتات ولاحظ أن الإسهال التشريعي موجود في العديد من الدول وليس في تونس فقط والسؤال المطروح هو كيف يمكن أن نتصور تشريعا جديدا وتبقى السلطة التشريعية في هذا الشأن لأنها هي التي يمكنها أن تتخذ القرارات الثورية الجريئة التي يمكن أن تغير وضع البلاد، ولاحظ أن مجلة الالتزامات والعقود تعتبر ثورة تشريعية.
أما الأستاذ منير الفرشيشي فبين تعقيبا على مداخلات النواب أن المشرع ليس هو الذي يصيغ القانون بل يعطي البعد الاستراتجي للتشريع ويجب أن تغير القوانين من أهدافها وفسر أن النص الناجح ليس فقط النص الذي يكتب جيدا بل الذي يعبر عن مرحلته لذلك لا بد من القيام بدراسة أولية حول المشروع أو المبادرة ويجب توسيع دائرة الاستشارة وذكر أنه يجب على النائب ألا يحمل نفسه عناء كتابة النص القانوني بل لا بد من وجود هيكل مختص يقوم بكتابة النصوص لأن صياغة النص هي مسألة تقنية لا علاقة لها بمبادرة النواب. وفي علاقة بالدعوة التي توجه بها أحد النواب لحوكمة التشريع بين أنه من عناصر غياب الحكومة هي التضخم التشريعي ونبه إلى أن كثرة القوانين تؤدي إلى اللاقانون. وقال الفرشيشي بدوره يجب القيام بإصلاح تشريعي.
سعيدة بوهلال
- بودربالة: سنراقب جميع القروض التي صادق عليها المجلس النيابي
أكد رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة أن المجلس سيراقب كيفية تنفيذ جميع قوانين القروض التي صادق عليها منذ انطلاق أشغاله، وبين أن البرلمان صادق إلى حد الآن على 28 مشروع قانون تتعلق بقروض، منها 8 قروض فقط لتمويل الميزانية والبقية تهم الاستثمار، ورغم أن أغلب القروض تهدف إلى تمويل الاستثمار فسيتم حسب قوله مراقبة تنفيذ جميع هذه القروض دون استثناء.
وأضاف بودربالة أمس خلال اليوم الدراسي المنعقد ببادرة من الأكاديمية البرلمانية بقصر باردو حول تقنيات صياغة النصوص القانونية من أجل ضمان جودة تشريعية، أن مكتب المجلس قرر تكوين ثلاث فرق عمل وأن هذه الفرق شرعت في تنظيم اجتماعاتها وذكر أنه تمت مراسلة الكتل ومجموعات غير المنتمين إلى كتل لمطالبتها بتعيين ممثليها في الفرق المذكورة من أجل تقييم أداء المجلس النيابي على المستوى التشريعي، وأدائه على المستوى الرقابي، وأدائه على مستوى الدبلوماسية البرلمانية، وأشار إلى أنه سيتم تنظيم أيام دراسية لمراكمة خبرات النواب بهدف تحسين أداء المجلس على المستوى التشريعي، وسيتم التواصل مع مجموعة من الخبراء بغاية تطوير العمل الرقابي كما سيتم التركيز على تطوير الدبلوماسية البرلمانية وفي هذا الصدد سيقع تقديم مقترحات في الغرض بما يجعل الدبلوماسية البرلمانية متناغمة مع ما جاء به دستور 2022. وأعلن رئيس المجلس أنه سيقع خلال الثلاثية الثانية تنظيم ورشات عمل خلال الثلاثية الثانية حول كيفية إعداد الميزانية.
وتطرق بودربالة قبل ذلك إلى أهداف اليوم الدراسي حول تقنيات صياغة النص التشريعي من أجل جودة تشريعية والغاية من تشريك مختصين في القانون وهما محمد حمودة وهو دكتور دولة في القانون الخاص وأستاذ جامعي مبرز بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس ومنير الفرشيشي القاضي والمدير العام لمركز الدراسات القانونية والقضائية.
وخلال النقاش طالب العديد من النواب بضرورة تمكينهم من الآليات اللازمة للقيام بثورة تشريعية تساهم في تقديم حلول حقيقية لمشاكل التونسيين وفي تغيير أوضاعهم المعيشية إلى الأفضل، وأوصوا باعتماد مقاربة تشاركية بين الوظيفة التنفيذية والوظيفة التشريعية في إعداد مشاريع النصوص القانونية، وشددوا على ضرورة إرفاق هذه المشاريع بدراسات حول تأثيراتها المرتقبة وخاصة بوثائق شرح أسباب تتضمن معطيات ضافية من شأنها أن تنير المشرع، ودعا آخرون إلى غربلة الترسانة القانونية القديمة لملاءمتها مع أحكام دستور 2022 ومع الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس، وهناك منهم من تحدث عن وجود تضخم تشريعي، وعن قوانين لم تطبق وأخرى غير قابلة للتطبيق، واقترحوا تجميع النصوص المبعثرة في مجلات قانونية موحدة واضحة الصياغة ومقروءة. وانتقد بعض النواب الصيغة الأصلية لمشاريع قوانين تم تقديمها في وقت سابق من قبل الحكومة رغم امتلاكها للمعلومات ولمراكز الدراسات ورغم أن الوزارات تغص بالإطارات العليا المختصة في القانون والاقتصاد وغيرها من المجالات، في حين أشار البعض الآخر إلى التضارب التشريعي بين الحكومة والنواب وفسروا أنه أمام تأخر الوظيفة التنفيذية في إحالة مشاريع القوانين إلى المجلس النيابي تولى النواب تقديم مبادرات تشريعية لنفس الغرض.
النائب منير الكموني بين أن الجميع يتحدثون عن ضرورة القيام بثورة تشريعية، وتساءل هل أن الثورة التشريعية تتم من خلال تعدد النصوص أم من خلال تجويد صياغة هذه النصوص، وأضاف أن المجلس عاش ومازال يعيش مشكل تنازع الاختصاص مع الوظيفة التنفيذية وهناك مشاكل يقف عليها النائب مردها القوانين الموجودة مثل الفصل 97 ويرى الكموني انه عوضا عن مناقشة مشروع قانون يجب مناقشة المشكل الموجود على أرض الواقع ومحاولة إيجاد حلول له عبر سن القانون.
أما النائبة عواطف الشنيتي فلاحظت أن مشاريع القوانين المقدمة من قبل الحكومة لا ترتقي لكي تكون مشاريع قوانين رغم وجود مكاتب دراسات ومختصين في القانون، لذلك تقدم النواب بمبادرات تشريعية حاولوا من خلالها تحقيق إضافة لكن هذا العمل يبقى منقوصا لأن كتابة القوانين هي فن. وطالبت بغربلة المبادرات التشريعية التي يبلغ عددها 43 مبادرة بالاستعانة بمختصين في القانون ليتم الإبقاء على أفضل النصوص التي يمكن أن تقدم حلولا للشعب. كما طالبت رئيس المجلس بانتداب مختصين في القانون لمرافقة أعمال النواب.
حوكمة تشريعية
النائب رياض جعيدان قال إن نابليون بونبارت عندما ذهب إلى مصر حمل معه فقهاء في القانون وكانت لهذا الخيار آثار كبيرة لاحقا. وذكر أن المشرعين غير مطالبين بالصياغة لأن الصياغة تقتضي وجود أناس متمكنين من فن صياغة القوانين، وفسر أن النواب من حقهم تقديم مبادرات تشريعية وإدخال تعديلات على المشاريع التي تقدمها الحكومة لإضفاء لمسة المشرع عليها وأشار إلى أهمية مداولات مجلس نواب الشعب لأنه كلما حصل مشكل في تأويل نص قانوني أو فهم مقصد المشرع تتم العودة إلى المداولات. ويرى النائب انه لا بد من دراسة تأثير مشروع القانون أو مقترح القانون ومراعاة البعد الاستراتيجي للقانون ولا بد أيضا من حسن الحوكمة التشريعية، وفسر أنه في العقدين الماضيين هناك تضخم تشريعي وهناك نصوص غير واضحة وغياب شرح الأسباب في العديد من مشاريع القوانين والأخطر من ذلك هناك قوانين نقلت حرفيا عن قوانين أجنبية مثل قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص وتبين أن هذا القانون لا ينطبق مع الواقع التونسي ونفس الشيء بالنسبة إلى قانون اللزمات، وبين جعيدان أنه يوجد قانون يتعلق بالمنافسة تم تعديله أكثر من مرة وهناك اليوم مشروع لتعديله مرة أخرى وهو ما يدل على غياب البعد الاستراتيجي في التشريع. وفسر أن القاعدة القانونية اليوم أصبحت تنافسية، فتونس مثلا ترغب في جلب المستثمرين ورغم وجود ترسانة من القوانين التي تهم الاستثمار فإنها لم تساهم في دفع الاستثمار لأنه لا يوجد فيها نفس استراتيجي، وذكران الدول اليوم أصبحت تتنافس فيما بينها على مستوى جاذبية القوانين. وبين أنه من قواعد إعداد القاعدة القانونية هي اعتماد مقاربة تشاركية بين الوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية وذكر أنه امام تأخير الحكومة في تقديم مشاريع قوانين يقوم النواب بمبادرات ولو كانت هناك مقاربة تشاركية لسمحت بوضع روزنامة تشريعية واضحة بصفة مسبقة وبهذه الكيفية يتم وضع الأرضية الملائمة لنقاش المشاريع والمبادرات التشريعية في المجلس. وأضاف أنه لا بد من القيام بمشاورات حول مشاريع النصوص بصفة مسبقة ومشاورات لاحقة عند وصول المشروع للجنة البرلمانية المختصة. ولاحظ أن النائب غير مطالب بصياغة النصوص بل هو يبادر ويقدم مقترحا لتتم الاستعانة بمختصين في الصياغة وفي تونس هناك مدرسة تشريعية في فن الصياغة، وخلص إلى أنه يجب القيام بحوكمة تشريعية والتفكير في آليات جديدة من قبيل تكوين لجنة من المختصين في الصياغة.
وبينت النائبة نورة الشبراك أن النائب غير مطالب بإتقان تقنيات صياغة النصوص القانونية لكن عليه التأكيد على ضرورة دراسة آثار النصوص وتقييم مدى تنفيذ النصوص القانونية الصادرة بالرائد الرسمي لأن هناك نصوص لم يمكن وضعها من إيجاد الحلول التي انتظرها المشرع. وبينت أن تونس أمضت على عدة اتفاقيات دولية لكن النصوص القانونية لا تتطابق مع تلك الاتفاقيات مثل القانون التوجيهي لذوي الإعاقة، كما أن القوانين التونسية لا تتلاءم مع الاتفاقية المتعلقة بالتغيرات المناخية.
وبينت النائبة ريم الصغير أن النواب وجدوا صعوبات في القيام بدورهم التشريعي وأن الأمر لا يتعلق بصياغة القوانين فقط بل أيضا بتنقيح القوانين، ومن بين الصعوبات الأخرى التي يجدها النائب عدم وجود مرافقين ولاحظت أن الآليات الموجودة في المجلس لا ترتقي لجعل عضو مجلس النواب يقوم بدوره على النحو المطلوب.
أزمة قانونية
وبينت النائبة منال بديده أنه عند متابعة عمل المشرع منذ الاستقلال إلى اليوم يمكن القول إن فن التشريع توقف منذ التسعينات، وأضافت أنه توجد اليوم في تونس أزمة في صناعة القانون وأزمة في صياغة القانون وأزمة على مستوى تطبيق القوانين فهناك قوانين تبقى حبرا على ورق أو تظل تنتظر صدور الأوامر التطبيقية. وترى أن الأزمة مردها تشتت مجال القانون فهناك نصوص تضعها الوظيفة التنفيذية وأخرى تضعها الوظيفة التشريعية. وتساءلت هل يمكن للبرلمان إصدار دليل إجرائي في صياغة القانون أو سن قانون يضبط شروط صياغة القانون، وهل أن القوانين الاستثنائية لها تأثير سلبي على وضع القانون في تونس وهل يمكن للقانون الاستغناء على القاعدة الترتيبية.
ويرى النائب عبد الحافظ الوحيشي أن المطلوب من الوظيفة التشريعية هو القيام بثورة تشريعية وهذه الثورة لها أهداف يجب أن تراعي طبيعة المرحلة ومتطلبات المسار. وأشار إلى النواب يجدون أحيانا صعوبة في فهم الواقع خاصة عندما يكون هناك تضارب بين ما هو موجود على ارض الواقع وما هو مطلوب.
وأشار النائب مسعود قريرة إلى أن النص التشريعي هو نص موجز قابل للتطبيق ويحل مشكلة موجودة في الوقت الراهن ويجب ضمان أن تكون له استمرارية في التاريخ ويرى أنه معرة على المشرع الذي يفكر في نصوص ليست لها صبغة مجردة وتصاغ على المقاس وأضاف أن أهم ما في النص القانوني هو وضع دراسة حول تأثيره المالي وتأثيره على العلاقات الخارجية وبين أنه يجب التخلص من التضخم التشريعي.
وبينت النائبة بسمة الهمامي أن النواب تم انتخابهم على الأفراد وأنهم أثناء الحملة تقدموا بوعود تشريعية وذكرت أنها اقترحت في برنامجها الانتخابي رفع مشاكل حياتية يعاني منها التونسيون منها على سبيل الذكر عدم توفر الماء وترى أن كل وظيفة تشريعية هي ترجمة للإرادة الشعبية إلى قوانين تخدم الصالح العام ومنها الحق في الماء المنصوص عليه في الدستور لذلك بادرت بتقديم مقترح قانون في الغرض. ولاحظت أن البرلمان غرق في الدور الرقابي لكن انتظارات النواب في علاقة بالتشريع أكبر مما تقدمه الوزارات.
فن كتابة القانون
وقبل النقاش، استمع النواب إلى محاضرة قدمها محمد حمودة دكتور دولة في القانون الخاص، وأستاذ جامعي مبرز بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس وتحدث فيها عن فن كتابة القانون، بمعنى التعبير القانوني من خلال اقتران روح التشريع مع الذوق القانوني، وبين أن هذه العملية هي تطويع لمشاعر الأمة واهتزازاتها في إيقاعاتها المتسارعة وبطئها الهادئ. وفسر المقصود بالفن في كتابة النص القانوني بالإشارة إلى أن الفن هو تعبير عن الجمالية وهو أيضا مجموعة من الوسائل والآليات الهادفة إلى تحقيق غايات معينة. وبين أن فن كتابة القانون هو تفكير في حاجيات المجتمع وتحسس للآليات الكفيلة بترجمتها في نصوص وبالتالي فإن الفن التشريعي في جوهره هو امتداد لوظيفة تشريعية تتمثل في تمكين الأمة من آليات معينة لإدارة شؤونها ولضمان أمنها القانوني بشكل عام.
وأشار الجامعي إلى أن المتلقي الذي يتوجه له المشرع من خلال سن النص القانوني، هو كافة الناس، وبين أن هناك مقولة مفادها أن الجاهل لا يعذر بجهله للقانون، لكن هذه الفرضية البديهية غير سليمة لأن النصوص القانونية تكون أحيانا مثقلة بالتراتيب المعقدة وأحيانا أخرى تدخل عليها تنقيحات عديدة لترميمها بما يجعل فهمها من قبل عامة الناس صعبا، ويعد القانون التونسي المتعلق بالاستثمار أبرز مثال على ذلك. وأضاف أن صياغة النصوص القانونية يجب أن تتسم بالدقة وبالوضوح الذي يترتب عن فكر ثاقب. ولاحظ أن بعض النصوص القانونية تسافر من مجلة إلى أخرى كما تقتضي طبيعة التشريع أحيانا أن يكون النص تقنيا كأن يكون موجها لفئة معينة من المشتغلين بالشأن القانوني ومثل هذه النصوص عادة لا يفهمها إلا المختصون في القانون. وخلص الجامعي إلى أن فن كتابة القانون هو إدراك ما يفهمه كافة الناس ولاحظ أن القانون يتحدث أحيانا بلغة سهلة يفهمها الجميع وأحيانا أخرى بلغة تتسم بالصرامة والدقة التي تترجم عن إبداع في صياغة النصوص، وبين أن المشرع التونسي دأب منذ بداية القرن العشرين وخاصة منذ صياغة مجلة الالتزامات والعقود على انتقاء المصطلحات بدقة وإضفاء عليها الدلالات الضرورية لكن المشرع أحيانا يتعمد السكوت لأن فن كتابة النصوص القانونية تقتضي أيضا إتقان فن الصمت الذي يكون أبلغ من الكلام .
وفسر الأستاذ محمد بن محمود أن كتابة النص القانوني هي فن مهامه متولدة عن تراكمات افرزها التاريخ والثقافة، وبين أنه قبل كتابة النص القانوني يجب التفكير في تصور لهذا النص لأن فن التفكير في القانون يؤدي إلى تحديد المهيئات والمتممات، والمقصود بالمهيئات حسب قوله القدرة على وضع القواعد القانونية الأساسية والضوابط، والقدرة على المواءمة بين التحديات المتعددة والمصالح المختلفة وكل ذلك في إطار التوق إلى المثالية في صياغة القاعدة القانونية. وأشار إلى أنه إضافة إلى المهيئات هناك المتممات وهي بالحرص على صياغة النصوص الضرورية وقدّها بأسلوب واضح و بلغة سليمة وبشكل جيد.
وقال الجامعي إن نواب الشعب مطالبون عند صياغة أي نص قانوني بالقيام بتصور استباقي لتطبيقه في الواقع وعليهم الحرص على تأمين استدامة النص القانوني، فالقانون حسب وصفه يسافر عبر الزمن وذلك لا بد من الدقة في كتابة القاعدة القانونية وضمان المرونة. وأضاف أنه بعد الحديث عن فن التفكير في القانون تأتي مرحلة فن صياغة القانون التي تقوم على الجمالية في النص القانوني، وتستوجب هذه الجمالية الوضوح والسلاسة والبساطة وكذلك الصرامة وحسن اختيار المصطلحات، ولاحظ أن هناك بعض النصوص قدت بحروف من ذهب، فهي واضحة وبسيطة وسلسة ودقيقة ومتناسقة. وفسر أن نجاعة النص القانوني وضمان الأمن القانوني يستوجبان أن تكون القاعدة القانونية واضحة ودقيقة ومتناسقة مع الأهداف التي وضعت من أجلها ومراعية للمصلحة العامة ومتلائمة مع الدستور والاتفاقيات الدولية وخلص الأستاذ محمد حمودة إلى أن التفكير في القانون يستوجب عبقرية بينما صياغة القانون هي فن.
صياغة القوانين
عن طرق صياغة النص التشريعي، تحدث منير الفرشيشي القاضي، ومدير عام مركز الدراسات القانونية والقضائية، وبين بالخصوص أن عملية التشريع مهمة صعبة وشاقة، وأضاف أن بناء النص القانوني أمر خطير، وذكر أنه يوجد فرق بين المبادرة التشريعية وصياغة النص القانوني، لأن المبادرة التشريعية هي لب التشريع، أما الصياغة فيمكن أن لا تتم بالضرورة من قبل المشرع. ولاحظ أن صياغة القوانين حرفة وتقنية، وأنه لا توجد مراجع أساسية موحدة في الصياغة، بل هناك طرق مختلفة وتجارب متنوعة، وبين أن النص القانوني يجب أن يكون له معنى وحيد وهو المعنى الذي تقتضيه عباراته، وبقدر ما تكون اللغة صحيحة بقدر ما يكون معنى القانون صحيحا. وأضاف أن القاضي عندما يحكم استنادا إلى قانون معين فيجب عليه أن يحكم بحسب مقصد المشرع وليس انطلاقا من فهمه الخاص لذلك القانون، لذلك على المشرع عندما يشرع أن يولي أهمية كبيرة للمداولات، وبين أنه يجب على المشرع أن يأخذ بعين الاعتبار المراجع الإيحائية للتشريع والقواعد العامة لصياغة النصوص القانونية وتقنيات الصياغة، وأوضح أن القواعد العامة التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند صياغة النص القانوني هي الشرعية والأمان القانوني والمعقولية واحترام التنظيم الهرمي للقوانين كما يجب تحديد قائمة الاستطلاعات مع ضمان الدقة والتناغم والانسجام والصبغة التشريعية للنص وحسن ترتيب الفصول واحترام قواعد اللغة لأن من لا يعرف قواعد اللغة لا يمكنه تأويل النص القانوني. وفسر أن المطلوب من النواب الابتعاد عن الجمل الوصفية والاستفهامية واستعمال جمل تقريرية ويمكن أن تكون هذه الجمل اسمية من قبيل «تعدد الزوجات ممنوع» ولكن أحيانا يتطلب الأمر أن تكون الجملة فعلية، وخلص القاضي منير الفرشيشي إلى أن النص القانوني يجب أن يكون واضحا وبسيطا وجمله قصيرة، واستدل في مداخلته بأمثلة حية من مجلة الالتزامات والعقود ومجلة الأحوال الشخصية خاصة ما تعلق فيها بالمواريث، ويرى القاضي أن تقوية النصوص القانونية تتم من خلال استماع النواب إلى الجهات المعنية ومن خلال وضع وثيقة شرح أسباب واضحة وثرية وكذلك من خلال تحديد آثار القانون وكلفته المالية. كما لاحظ الفرشيشي بدوره وجود ظاهرة تضخم تشريعي في تونس، وقدم مثالا على ذلك النصوص التي تهم الاستثمار وتحدث عن مخاطر التناقضات الموجودة بين بعضها، وقال إنه لا بد من القيام بالإصلاح التشريعي كما يجب على واضع النص التشريعي الاستماع بشكل مسبق إلى المجتمع المعني بهذا النص والاستماع إلى الخبراء وتشريك الهياكل المتدخلة ويجب إرفاق مشروع القانون أو المبادرة التشريعية بوثيقة شرح الأسباب وبدراسة تأثيرات النص القانوني المقترح.
وتفاعلا مع ملاحظات النواب بين الجامعي محمد حمودة أن مطلب وضع الدليل الإجرائي لصياغة النص القانوني المقدم من قبل النواب مشروع ولاحظ أن المجالس التشريعية في العالم دأبت على وضع هذه الأدلة. وتعقيبا عن استفسار حول رأيه في النصوص القانونية الاستثنائية قال إن القوانين الاستثنائية عموما منبوذة لأن القانون يجب أن يكون عاما ومجردا ولا يخص حالة استثنائية. ولاحظ أن عدم الملاءمة بين القوانين والنصوص الترتيبية يطرح إشكالا كبيرا ونفس الشيء بالنسبة إلى تشتت النصوص القانونية فهي بدورها مشكلة، ويقتضي تجميع النصوص وضع تصور شامل ومراعاة جميع الفصول المبثوثة في مختلف القوانين. وخلص إلى أنه لا بد من العمل على لم الشتات ولاحظ أن الإسهال التشريعي موجود في العديد من الدول وليس في تونس فقط والسؤال المطروح هو كيف يمكن أن نتصور تشريعا جديدا وتبقى السلطة التشريعية في هذا الشأن لأنها هي التي يمكنها أن تتخذ القرارات الثورية الجريئة التي يمكن أن تغير وضع البلاد، ولاحظ أن مجلة الالتزامات والعقود تعتبر ثورة تشريعية.
أما الأستاذ منير الفرشيشي فبين تعقيبا على مداخلات النواب أن المشرع ليس هو الذي يصيغ القانون بل يعطي البعد الاستراتجي للتشريع ويجب أن تغير القوانين من أهدافها وفسر أن النص الناجح ليس فقط النص الذي يكتب جيدا بل الذي يعبر عن مرحلته لذلك لا بد من القيام بدراسة أولية حول المشروع أو المبادرة ويجب توسيع دائرة الاستشارة وذكر أنه يجب على النائب ألا يحمل نفسه عناء كتابة النص القانوني بل لا بد من وجود هيكل مختص يقوم بكتابة النصوص لأن صياغة النص هي مسألة تقنية لا علاقة لها بمبادرة النواب. وفي علاقة بالدعوة التي توجه بها أحد النواب لحوكمة التشريع بين أنه من عناصر غياب الحكومة هي التضخم التشريعي ونبه إلى أن كثرة القوانين تؤدي إلى اللاقانون. وقال الفرشيشي بدوره يجب القيام بإصلاح تشريعي.