لم تكن أحداث العنف، التي جدّت يوم الأحد الفارط بملعب حمادي العقربي برادس في لقاء «السوبر» الذي جمع الترجي الرياضي التونسي والملعب التونسي، وبقاعة محمد الفطناسي ببنزرت في مباراة أصاغر إسمنت بنزرت والنادي الإفريقي في كرة السلة، الأولى من نوعها كما لن تكون الأخيرة لأن الظاهرة بدأت تأخذ منحى تصاعديا منذ فترة ولم تكن المعالجة والوعي بخطورة الموضوع منسجمة مع حجم الظاهرة وتداعياتها.
للأسف يبدو الأمر وكـأنه تطبيع مع العنف الذي لم يعد يستثنى أي فضاء ويسجل بشكل يكاد يكون يوميا، في الشارع، في المدرسة، في المستشفيات في مواقع العمل، على مواقع التواصل الاجتماعي.. كما لا يسلم منه أحد ويمس جميع الفئات والشرائح العمرية.
خلصت أول أمس الجلسة المنعقدة بإشراف الصادق المورالي، وزير الشباب والرياضة، وبحضور عدد من الإطارات المشرفة على القطاع الرياضي إلى جانب عدد من القيادات بوزارة الداخلية للتباحث حول أسباب العنف الأخيرة، التي جدّت بين بعض الجماهير الرياضية، إلى أن «منسوب العنف قد أخذ منحى خطيرا، أصبح يهدد السلم الاجتماعي، من خلال خلق أجواء مشحونة ببث الكراهية وتأجيج النعرات الجهوية، والذي من شأنه أن يمسّ بأمن البلاد وسلمها».
شبح العنف
وفي الحقيقة بدا واضحا منذ سنوات أن شبح العنف يتفاقم دون تحرك فعلي من جميع المتداخلين والمعنيين بدراسة الظاهرة وضبط الاستراتيجيات للمعالجة والوقاية.
فقد وصف سابقا الناطق باسم الإدارة العامة للأمن الوطني، عماد مماشة، المؤشرات والأرقام المتعلّقة بظاهرة العنف في الملاعب بـ»المُفزعة».
ودعا، في تصريح سابق على هامش يوم تحسيسي نظمته وزارة الداخلية لمكافحة العنف بالملاعب الرياضية، مختلف وسائل الإعلام إلى المساهمة في نشر الوعي للحدّ من هذه الظاهرة الخطيرة والتصدي لها .
وأضاف مماشة أنه «تم خلال الموسم الرياضي 2023-2024 إلغاء وإيقاف 41 مقابلة رياضية وتسجيل 28 مقابلة تم الاعتداء خلالها على الطاقم التحكيمي مع 12 مقابلة شهدت الاعتداء على لاعبين أو إطارات فنية و62 مقابلة تم خلالها إلقاء المقذوفات من قبل الجماهير و59 مقابلة شهدت إشعال الشماريخ أو الزجاجات الحارقة، إضافة إلى 11 مقابلة تم فيها الإضرار بالممتلكات الخاصة وتسجيل 143 إصابة في صفوف الجماهير و153 في صفوف الأمنيين وتضرّر 17 وسيلة».
كما سجلت «حوادث العنف الأسري منذ سنة 2022 ارتفاعا برز على مستوى نسب المحاضر العدلية المسجّلة في وحدات الاختصاص على مستوى الفرق الجهوية والمركزية للأمن والحرس الوطنيين والفرق المختصة في البحث في جرائم العنف ضد المرأة والطفل»، وفق ما صرح به سابقا الناطق الرسمي باسم الحرس الوطني العميد حسام الدين الجبابلي.
مضيفا، في إطار الخيمة التوعوية نظمتها الإدارة العامة للحرس الوطني حول ظاهرة العنف الأسري، أن» نسبة حوادث العنف المسلط على الطفل ارتفعت إلى حدود 70 بالمائة خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2024 مقارنة بـ51 بالمائة خلال الفترة ذاتها من سنة 2022، في حين بلغت نسبة الحوادث المتعلقة بكبار السن 64 بالمائة سنة 2024 مقارنة بـ40 بالمائة سنة 2022».
إحصائيات ودراسات
ليس هذا فحسب فقد كشفت عديد الإحصائيات والدراسات التي تتناقل مختلف وسائل الإعلام نتائجها وكانت تؤشر على أن مخاطر العنف تتهدد النشء ومختلف الفئات الاجتماعية.
حيث شهدت المؤسسات التربوية في تونس 23857 حالة عنف خلال الموسم الدراسي (2022-2023) وفق مصادر وزارة التربية التي أكدت أيضا أن التلاميذ الذكور مسؤولون عن 75 % من هذه الحالات. وقد دفعت هذه الإحصائيات المفزعة وزارة التربية إلى وضع إستراتيجية وطنية تضم عديد الوزارات قصد التصدي للعنف المدرسي والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر. من بين أهدافها «تعزيز البرامج الرسمية وتشمل محاور لتحفيز السلوكيات الإيجابية مثل التعايش السلمي ومناهضة العنف وتخصيص حيز زمني أثناء حصص التدريس للحوار حول الظاهرة والتركيز ضمن الملتقيات والمهرجانات المدرسية على مواضيع العنف والمخدرات».
في سياق آخر بينت دراسات أن «60 بالمائة من النساء التونسيات اللاتي يبلغن من العمر 18 عاما أو أكثر وقعن ضحايا لنوع واحد على الأقل من 14 شكلا من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي المدرجة في قائمة صندوق الأمم المتحدة للسكان، حيث مثلت التكنولوجيا سببا في تيسير الاعتداء على النساء في الفضاء الرقمي».
أزمة قيم
في تقييمه للظاهرة وأسبابها يقول أستاذ علم الاجتماع مهدي مبروك إن «الإحصائيات تبين أن تونس تحتل منذ سنوات مرتبة متقدمة على المستوى الإقليمي العربي في العنف الاجتماعي والمقصود به العنف الذي يمارس في الشارع والمقاهي وفي مؤسسات التنشئة».
واعتبر مهدي مبروك في تصريح إعلامي أن تنامي هذا العنف الاجتماعي يعود أساسا إلى «أزمة قيم يعيشها المجتمع التونسي مضيفا أن «المدرسة والإعلام والنخب السياسية فشلت في تقديم بدائل قيمية من شأنها أن تعزز قداسة الذات الإنسانية وقداسة الجسد البشري». كما تحدث أستاذ علم الاجتماع عن «غياب الحوار حيث تحول الشباب وجميع الفئات إلى جزر معزولة إضافة إلى غياب مشروع وطني ناظم مما عزز النزعات الفردانية العنفية التي تبحث عن مصالحها الخاصة وأمنها الخاص ولو على حساب الآخرين .إلى جانب غياب سياسات اجتماعية إدماجية ورغم وجود مراكز دفاع اجتماعي وهياكل معنية بهذا الأمر إلا أنها لا تقوم بدور استباقي من أجل انتشال وإدماج الفئات المهددة بالعنف والسلوكات العنفية».
من جهته شدد وزير الداخلية خالد النوري على هامش الندوة الختامية لتقديم مساهمة وزارة الداخلية في معاضدة المجهود الوطني لمكافحة العنف وتعزيز حقوق الإنسان الملتئمة في ديسمبر الفارط على أن «النجاح في مكافحة العنف والحد من تداعياته السلبية على المجتمع لا يمكن أن يقتصر على المقاربة الأمنية فقط بل يجب أن تتبع مقاربة تشاركية وشاملة باعتماد وسائل وآليات ذات بعد توعوي وفق تمش علمي متكامل».
معتبرا أن تطويق ظاهرة العنف يستوجب عملا وقائيا من خلال التوعية والتحسيس والعمل على ترسيخ السلوك الحضاري القائم على ثقافة التسامح انطلاقا من الأسرة مرورا بالمؤسسات التربوية الحاضنة للناشئين وصولا للفضاءات العامة بما فيها الفضاءات الرياضية التي من المفترض أن تكون آمنة. مع أهمية الدور الأكاديمي ورؤية الخبرات الوطنية في تحليل ظاهرة العنف».
◗ م.ي
لم تكن أحداث العنف، التي جدّت يوم الأحد الفارط بملعب حمادي العقربي برادس في لقاء «السوبر» الذي جمع الترجي الرياضي التونسي والملعب التونسي، وبقاعة محمد الفطناسي ببنزرت في مباراة أصاغر إسمنت بنزرت والنادي الإفريقي في كرة السلة، الأولى من نوعها كما لن تكون الأخيرة لأن الظاهرة بدأت تأخذ منحى تصاعديا منذ فترة ولم تكن المعالجة والوعي بخطورة الموضوع منسجمة مع حجم الظاهرة وتداعياتها.
للأسف يبدو الأمر وكـأنه تطبيع مع العنف الذي لم يعد يستثنى أي فضاء ويسجل بشكل يكاد يكون يوميا، في الشارع، في المدرسة، في المستشفيات في مواقع العمل، على مواقع التواصل الاجتماعي.. كما لا يسلم منه أحد ويمس جميع الفئات والشرائح العمرية.
خلصت أول أمس الجلسة المنعقدة بإشراف الصادق المورالي، وزير الشباب والرياضة، وبحضور عدد من الإطارات المشرفة على القطاع الرياضي إلى جانب عدد من القيادات بوزارة الداخلية للتباحث حول أسباب العنف الأخيرة، التي جدّت بين بعض الجماهير الرياضية، إلى أن «منسوب العنف قد أخذ منحى خطيرا، أصبح يهدد السلم الاجتماعي، من خلال خلق أجواء مشحونة ببث الكراهية وتأجيج النعرات الجهوية، والذي من شأنه أن يمسّ بأمن البلاد وسلمها».
شبح العنف
وفي الحقيقة بدا واضحا منذ سنوات أن شبح العنف يتفاقم دون تحرك فعلي من جميع المتداخلين والمعنيين بدراسة الظاهرة وضبط الاستراتيجيات للمعالجة والوقاية.
فقد وصف سابقا الناطق باسم الإدارة العامة للأمن الوطني، عماد مماشة، المؤشرات والأرقام المتعلّقة بظاهرة العنف في الملاعب بـ»المُفزعة».
ودعا، في تصريح سابق على هامش يوم تحسيسي نظمته وزارة الداخلية لمكافحة العنف بالملاعب الرياضية، مختلف وسائل الإعلام إلى المساهمة في نشر الوعي للحدّ من هذه الظاهرة الخطيرة والتصدي لها .
وأضاف مماشة أنه «تم خلال الموسم الرياضي 2023-2024 إلغاء وإيقاف 41 مقابلة رياضية وتسجيل 28 مقابلة تم الاعتداء خلالها على الطاقم التحكيمي مع 12 مقابلة شهدت الاعتداء على لاعبين أو إطارات فنية و62 مقابلة تم خلالها إلقاء المقذوفات من قبل الجماهير و59 مقابلة شهدت إشعال الشماريخ أو الزجاجات الحارقة، إضافة إلى 11 مقابلة تم فيها الإضرار بالممتلكات الخاصة وتسجيل 143 إصابة في صفوف الجماهير و153 في صفوف الأمنيين وتضرّر 17 وسيلة».
كما سجلت «حوادث العنف الأسري منذ سنة 2022 ارتفاعا برز على مستوى نسب المحاضر العدلية المسجّلة في وحدات الاختصاص على مستوى الفرق الجهوية والمركزية للأمن والحرس الوطنيين والفرق المختصة في البحث في جرائم العنف ضد المرأة والطفل»، وفق ما صرح به سابقا الناطق الرسمي باسم الحرس الوطني العميد حسام الدين الجبابلي.
مضيفا، في إطار الخيمة التوعوية نظمتها الإدارة العامة للحرس الوطني حول ظاهرة العنف الأسري، أن» نسبة حوادث العنف المسلط على الطفل ارتفعت إلى حدود 70 بالمائة خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2024 مقارنة بـ51 بالمائة خلال الفترة ذاتها من سنة 2022، في حين بلغت نسبة الحوادث المتعلقة بكبار السن 64 بالمائة سنة 2024 مقارنة بـ40 بالمائة سنة 2022».
إحصائيات ودراسات
ليس هذا فحسب فقد كشفت عديد الإحصائيات والدراسات التي تتناقل مختلف وسائل الإعلام نتائجها وكانت تؤشر على أن مخاطر العنف تتهدد النشء ومختلف الفئات الاجتماعية.
حيث شهدت المؤسسات التربوية في تونس 23857 حالة عنف خلال الموسم الدراسي (2022-2023) وفق مصادر وزارة التربية التي أكدت أيضا أن التلاميذ الذكور مسؤولون عن 75 % من هذه الحالات. وقد دفعت هذه الإحصائيات المفزعة وزارة التربية إلى وضع إستراتيجية وطنية تضم عديد الوزارات قصد التصدي للعنف المدرسي والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر. من بين أهدافها «تعزيز البرامج الرسمية وتشمل محاور لتحفيز السلوكيات الإيجابية مثل التعايش السلمي ومناهضة العنف وتخصيص حيز زمني أثناء حصص التدريس للحوار حول الظاهرة والتركيز ضمن الملتقيات والمهرجانات المدرسية على مواضيع العنف والمخدرات».
في سياق آخر بينت دراسات أن «60 بالمائة من النساء التونسيات اللاتي يبلغن من العمر 18 عاما أو أكثر وقعن ضحايا لنوع واحد على الأقل من 14 شكلا من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي المدرجة في قائمة صندوق الأمم المتحدة للسكان، حيث مثلت التكنولوجيا سببا في تيسير الاعتداء على النساء في الفضاء الرقمي».
أزمة قيم
في تقييمه للظاهرة وأسبابها يقول أستاذ علم الاجتماع مهدي مبروك إن «الإحصائيات تبين أن تونس تحتل منذ سنوات مرتبة متقدمة على المستوى الإقليمي العربي في العنف الاجتماعي والمقصود به العنف الذي يمارس في الشارع والمقاهي وفي مؤسسات التنشئة».
واعتبر مهدي مبروك في تصريح إعلامي أن تنامي هذا العنف الاجتماعي يعود أساسا إلى «أزمة قيم يعيشها المجتمع التونسي مضيفا أن «المدرسة والإعلام والنخب السياسية فشلت في تقديم بدائل قيمية من شأنها أن تعزز قداسة الذات الإنسانية وقداسة الجسد البشري». كما تحدث أستاذ علم الاجتماع عن «غياب الحوار حيث تحول الشباب وجميع الفئات إلى جزر معزولة إضافة إلى غياب مشروع وطني ناظم مما عزز النزعات الفردانية العنفية التي تبحث عن مصالحها الخاصة وأمنها الخاص ولو على حساب الآخرين .إلى جانب غياب سياسات اجتماعية إدماجية ورغم وجود مراكز دفاع اجتماعي وهياكل معنية بهذا الأمر إلا أنها لا تقوم بدور استباقي من أجل انتشال وإدماج الفئات المهددة بالعنف والسلوكات العنفية».
من جهته شدد وزير الداخلية خالد النوري على هامش الندوة الختامية لتقديم مساهمة وزارة الداخلية في معاضدة المجهود الوطني لمكافحة العنف وتعزيز حقوق الإنسان الملتئمة في ديسمبر الفارط على أن «النجاح في مكافحة العنف والحد من تداعياته السلبية على المجتمع لا يمكن أن يقتصر على المقاربة الأمنية فقط بل يجب أن تتبع مقاربة تشاركية وشاملة باعتماد وسائل وآليات ذات بعد توعوي وفق تمش علمي متكامل».
معتبرا أن تطويق ظاهرة العنف يستوجب عملا وقائيا من خلال التوعية والتحسيس والعمل على ترسيخ السلوك الحضاري القائم على ثقافة التسامح انطلاقا من الأسرة مرورا بالمؤسسات التربوية الحاضنة للناشئين وصولا للفضاءات العامة بما فيها الفضاءات الرياضية التي من المفترض أن تكون آمنة. مع أهمية الدور الأكاديمي ورؤية الخبرات الوطنية في تحليل ظاهرة العنف».