تعيش تونس منذ سنة 2011، على وقع تراجع فادح في الدخل الفردي ، في الوقت الذي ارتفع فيه الدخل الفردي في اغلب دول العالم، مما ساهم في تذيل تونس لمراتب متأخرة من حيث الدول ذات الدخل المنخفض،علما وان العديد من الدراسات المحلية والعالمية، قيمت تراجع الدخل الفردي للتونسي الى اكثر من 30 % خلال العشرية الماضية ، وتزامن ذلك مع ارتفاع نسبة الفقر في البلاد الى 16.6٪ خلال سنة 2021, وهو الأمر الذي دعا العديد من الخبراء الاقتصاديين الى ضرورة العمل في أسرع الآجال على تغيير المنوال التنموي للتونسيين ، والقيام بإصلاحات شاملة، من شأنها ان ترفع في حجم الناتج الداخلي للفرد.
وانطلاقا من سنة 2011، لم تتمكن تونس من تسجيل مستويات نمو، من شأنها ان تساهم في خلق الثروة، والرفع من الدخل الفردي للتونسيين الذي بقي لا يراوح مكانه في حدود 5319 دينار تونسي، اي ما يعادل 1715 دولار امريكي بتاريخ 19 فيفري 2023 ، علما وان الناتج الداخلي الخام قد سجل انخفاضا، سنة 2011، بنسبة 2 بالمائة، رافقته الانتدابات المكثفة في الوظيفة العمومية والترفيع الهام في كتلة أجور القطاع العمومي. واستقر النمو، منذ ذلك الحين، عند مستويات منخفضة للغاية تراوحت بين 1 و 2 بالمائة سنويا.
وأظهرت دراسات تم إعدادها منذ 2012، أن نسبة النمو الممكن تحقيقها في تونس لا تتجاوز4 بالمائة سنويا. ولبلوغ مستويات أعلى من ذلك، لابد من إرساء العديد من الإصلاحات القطاعية القادرة على رفع الناتج المحلي الإجمالي ، وحسب دراسات مماثلة قام بها المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية، سنة 2016، فإن النمو المحتمل تحقيقه في تونس يناهز نسبة 3 بالمائة، ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة ، من تنفيذ الإصلاحات اللازمة لدفع الاقتصاد وتحقيق النمو الممكن في تونس جراء انعدام الاستقرار السياسي وغياب الرؤية والإرادة ، مما أدى الى تدهور مستوى العيش وتفاقم البطالة وتدهور القدرة الشرائية.
وفي الفترة الممتدة بين 2011 و 2019، ارتفعت نسبة البطالة من 13 بالمائة من مجموع السكان النشيطين إلى 15.5% بالمائة، وذلك دون احتساب تأثير فيروس كوفيد - 19، وإلى أكثر من 18 بالمائة، باعتبار تأثير هذا الوباء، وانخفض دخل الفرد الواحد، بحساب الدولار وحسب القدرة الشرائية، بنسبة 30 بالمائة، خلال الفترة الممتدة من 2011 الى 2019. وتقلص سعر صرف الدينار التونسي من 0.52 أورو الى 0.30 أورو، ليفقد بذلك أكثر من 40 بالمائة من قيمته.
وتسبّبت جائحة كورونا في انخفاض الناتج الداخلي الخام بحوالي 10 بالمائة سنة 2020، ليمحى بذلك أثر النمو الضئيل المتراكم طيلة السنوات العشر الأخيرة ، وبالنظر إلى هذا الظرف، وإلى الأزمة التي شهدتها البلاد سنة 2020، وتأثرت كافة القطاعات سلبا خاصة منها السياحة والنقل الجوي والبحري والحرف اليدوية ووكالات الإسفار والمقاهي والمطاعم ، دون أن ننسى قطاعات تضررت بشدة منذ 2011 على غرار المحروقات والفسفاط ومشتقاته نتيجة الاحتجاجات الاجتماعية التي لا تنتهي والتي لم تتمكن أي حكومة من احتوائها.
وشهد متوسط دخل الفرد في تونس بين الماضي والوقت الحالي، تغييرات هامة ، حيث شهدت تونس طفرة اقتصادية كبيرة بعد استقلالها عام 1956، ونجحت في تحقيق الأمن الغذائي، حيث بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من الحبوب حوالي 48%، ومن الزيوت حوالي 88%، بينما بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من الماشية 100%، واحتلت الزراعة أهمية قصوى بالنسبة للاقتصاد التونسي، حيث يساهم قطاع الزراعة بنسبة 12.3% من الناتج المحلي، كما انه يعمل على تشغيل 16.3% من الأيدي العاملة.
انهيار الدخل الفردي بعد 2008
وفي عام 2008 قامت تونس بعقد شراكة متكاملة مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما ساهم في تحرير الاقتصاد التونسي بالتوازي مع تحسن الأداء الحكومي، و ارتفاع مستوي معيشة الفرد في تونس أواخر عام 2009، حيث بلغ 5319 دينار تونسي للفرد الواحد أي ما يعادل 4163 دولارا في تلك الفترة، بالمقارنة بعام 2000 كان متوسط دخل الفرد التونسي 2788 دينار تونسي أي ما يعادل 2521 دولارا في تلك الحقبة.
وكان من المتوقع ارتفاع متوسط دخل الفرد في تونس عام 2016، كما توقع الخبراء وصول متوسط الدخل الى 8000 دينار تونسي، وهو ما يجعل تونس الأعلى دخلا على مستوي الدول غير النفطية، إلا ان الاضطرابات السياسية حالت دون ذلك.
وبلغ متوسط دخل الفرد في تونس عام2000 حوالي 2211 دولارا، بينما بلغ متوسط معيشة الفرد في تونس عام 2005 حوالي 3193.20 دولارا ، وفي عام 2008 بلغ متوسط دخل الفرد التونسي 4307.58 دولارا (الأعلى على الإطلاق)، ليصل الى 4264.68 دولارا خلال عام 2011, واستمر الهبوط عام 2015 ليصل متوسط دخل الفرد في تونس الى 3861.69 دولارا.
وظل منحني هبوط متوسط دخل الفرد في تونس مستمرا، حيث سجل البنك الدولي انخفاضا ملحوظا عام 2019، وصل المتوسط الى 3351.57 دولارا سنويا، وعام 2020 بلغ متوسط الدخل 3319.82 دولارا سنويا ، وبالطبع هذه الانخفاضات جاءت نتيجة انخفاض معدل الدخل القومي، وعدم القدرة على إجراء أية إصلاحات اقتصادية بعد الثورة التونسية عام 2010.
تونس من بين دول العالم الأكثر انخفاضا في الدخل الفردي !
ونشر البنك الدولي، مؤخرا ، تقريرا حول اقتصاديات دول العالم للعام الحالي، وصنفها إلى أربع مجموعات، ما بين مرتفع أكثر من 13,205 دولارا ، ومتوسط 4,256 -13,205 دولارا ، ومنخفض 1,086- 4,256 دولار ، ومنخفض جدا أقل من 1085 دولارا ، ويتم تحديث التصنيفات كل عام في غرة جويلية، وتستند تقديرات البنك الدولي الرسمية لحجم الاقتصاديات إلى الدخل القومي الإجمالي المحول إلى الدولار الأمريكي. ومن الدول العربية ذات الدخل المرتفع كانت دول الخليج، الكويت، السعودية، قطر، الإمارات، عمان، البحرين، أما الدول العربية ذات الدخل المتوسط فهي العراق، ليبيا والأردن. وباقي الدول العربية أغلبها في فئة الدخل المنخفض كالمغرب، مصر، لبنان، موريتانيا، جزر القمر، تونس، الجزائر، جيبوتي والأراضي الفلسطينية، وهي يلدان بلغ معدل الدخل الفردي فيها اقل من 4255 دولارا، أما سوريا، اليمن، السودان، والصومال فهي تحت فئة دول الدخل المنخفض جدا، والتي تصل الى اقل من 1085 دولارا.
ويبلغ معدل الدخل الفردي للمواطن الفرنسي 11 يورو في الساعة الواحدة، في المقابل يبلغ معدل الدخل الفردي للمواطن الامريكي 47 دولارا في الساعة الواحدة ، اي ان الاوروبي يتحصل على ما قيمته 90 اورو في اليوم، في حين يتحصل الامريكي على329 دولارا في اليوم.
ويتراوح معدل الدخل الفردي للتونسي كامل اليوم في حدود 15 دينارا تونسيا الى 30 دينارا تونسيا، اي مابين 5 اورو الى 10 اورو ، وهذا لا يكفي اطلاقا لتلبية احتياجاته في بلد يحتوي على ثروات طبيعية هائلة.
كما تصنف أجور التونسيين من اقل الأجور إقليميا، بالإضافة الى انها الأقل على مستوى العالم، في بلد يحقق ايرادات تقارب 39 مليار دولار سنويا ، وبات من الضروري اليوم العمل على مراجعة الأجور ، وتحسين معدل الدخل الفردي للتونسيين ، لتحقيق الاستقرار الاجتماعي ، وضمان حقوق العمال ، علما وان الأجور التونسية لم تشهد تحسنا منذ السبعينات من القرن الماضي، وذلك اثر قرار حكومي في الحط منها لجلب الاستثمارات الخارجية ، وهذا المنوال لم يجلب للبلاد غير البؤس والفقر لعقود طويلة.
وكشفت نتائج المسح الوطني حول الإنفاق والاستهلاك ومستوى عيش الأسر في تونس سنة 2021 ، عن تسجيل ارتفاع في نسبة الفقر الى 16,6 بالمائة سنة 2021 مقابل 15,2 سنة 2015 ، في حين بلغت نسبة الفقر المدقع 2,9 بالمائة، و7.2 بالمائة بالوسط الغربي ، وفي ما يتعلق بنسب الفقر حسب الجهات ، فقد استمرت الفجوة في الاتساع ، وقد لفت المعهد الوطني للإحصاء الى وجود زيادة في معدلات الفقر في جل الأقاليم باستثناء اقليمي تونس ألكبري و الشمال الغربي ،وقد سجل اقليم تونس الكبرى اقل نسبة فقر ب4.7% فيما سجل اقليم الوسط الغربي اعلي نسبة فقر ب37% في 2021.
ويعتبر المسح الوطني حول الإنفاق والاستهلاك ومستوى عيش الأسر من أهم العمليات الإحصائية الدورية، حيث توفر نتائجه بيانات حول الإنفاق على مختلف السلع والخدمات من قبل الأسر المقيمة. وكان من المبرمج انجاز هذا المسح سنة 2020 وفقًا للدورية المعتادة، الا انه نظرا لتداعيات جائحة كورونا تم تأجيل تنفيذه لسنة 2021. وتجدر الإشارة الى ان فترة جمع البيانات الممتدة بين مارس 2021 ومارس 2022 توافقت مع تفاقم الجائحة التي أثرت على الأنماط الاستهلاكية للأسر التونسية، مما يجعل نتائج هذا المسح تعكس، في جانب منها، هذا الظرف الاستثنائي.
متوسط الانفاق السنوي للفرد بلغ 5468 دينارا
وحسب نتائج المسح ، بلغ متوسط الإنفاق السنوي للفرد 468 5 دينارًا سنة 2021، مقابل 871 3 دينارًا سنة 2015، أي بزيادة قدرها 41.3%. ويقابل هذا التطور متوسط نمو سنوي بالأسعار الجارية قدره 5.9% وهو ما يوازي نسبة التضخم المسجلة خلال هذه الفترة مما يجعل الانفاق بالأسعار القارة شبه مستقر مقارنة بسنة 2015. ويتفاوت متوسط الإنفاق السنوي للفرد بشكل كبير بين مختلف الفئات الاجتماعية، حيث يتراوح بين 767 11 دينارًا كمتوسط إنفاق للفرد لدى الخمس الأعلى في سلم الانفاق الاسرى (20% الأعلى إنفاقا)، و014 2 دينارًا لكل فرد من أفراد أسر الخمس الأدنى (20% الأقل إنفاقا)، أي أعلى بحوالي ستة أضعاف.
وعلى مستوى الجهات، سجّلت اقاليم تونس الكبرى والوسط الشرقي أعلى مستويات لمتوسط الإنفاق السنوي للفرد، تقدر على التوالي ب 874 6 و130 6 دينارًا، كما سجلت اقاليم الشمال الغربي والجنوب الغربي أعلى معدلات نمو سنوي خلال الفترة 2015-2021 وذلك بنسب مئوية تقدر على التوالي بـ6% و7.9%.
تغييرات في الإنفاق الأسري
وشهدت هيكلة الإنفاق الأسري سنة 2021 تغييرا يخالف المنحى الذي اتبعته في العشريات السابقة. فعلى سبيل المثال، ارتفعت حصة التغذية في إجمالي الإنفاق من 28.9% سنة 2015 إلى 30.1% سنة 2021 بعد ان عرفت منحى تنازليا لعدة عقود. وبلغت هذه النسبة حوالي 35% بالنسبة للأسر الأقل إنفاقا. من جهة أخرى، تراجعت حصة النفقات المخصصة "للنقل" بثلاث نقاط مئوية سنة 2021، بينما سجلت حصة النفقات الخاصة بـ "الرعاية الصحية والشخصية" ارتفاعا هاما مقارنة بسنة 2015 وذلك تزامنا مع تفاقم الأزمة الصحية.
ارتفاع الفقر في الجهات
في سنة 2021، يُعتبر فقيراً كل شخص لم يتجاوز إنفاقه الاستهلاكي السنوي 5362 ديناراً. وعليه، بلغت نسبة الفقر 16.6% سنة 2021، مقابل 15.2% سنة 2015، و20.5% سنة 2010 و23.1 % سنة 2005 في المقابل استقرّت نسبة الفقر المدقع خلال نفس الفترة، حيث قدّرت بـ2.9%، وهي نفس نسبة سنة 2015. وحسب نتائج المسح ، فقد سجلت الجهات زيادة في نسبة الفقر في أغلب الأقاليم بين سنتي 2015 و2021، وذلك باستثناء اقليمي تونس الكبرى والشمال الغربي، حيث سجل هذا الأخير انخفاضا ملحوظا في نسبة الفقر (من 28.4% في سنة 2015 إلى 22.5% في سنة2021). ولا يزال الوسط الغربي الإقليم الأكثر فقرا في تونس حيث سجلت نسبة الفقر فيه 37% سنة 2021 مقابل 30.8% سنة 2015، وبالتالي تبقى الفجوة بينه وبين اقاليم الشريط الساحلي في مستويات مرتفعة.
بالإضافة إلى ذلك، واستناداً إلى توزيع إجمالي الإنفاق، يعكس مؤشر اللامساواة بين الأفراد أو الأسر على المستوى الوطني تراجعًا طفيفًا في التفاوت، حيث شهد مؤشر جيني (Gini index) انخفاضا الى 35.3 سنة 2021 مقابل 36.5 سنة 2015. ويُعزى هذا الانخفاض بالكامل إلى التراجع الملحوظ في مؤشر جيني لإقليم تونس الكبرى، وذلك نظراً لتراجع الانفاق في عدة مجالات في سياق الجائحة (مثل السفر والترفيه والنقل وشراء البضائع ) بالنسبة للأسر الأكثر إنفاقا، مما أدى الى تقليص التفاوت بين شرائح الانفاق فوق خط الفقر. اما بالنسبة لبقية الجهات فقد شهد مؤشر اللامساواة ارتفاعا في كل الاقاليم.
قرابة 4 ملايين يعانون الفقر
ويقدر عدد التونسيين الذين يعانون الخصاصة والفقر في تونس بحوالي 4 ملايين، حسب تصريح سابق لوزير الشؤون الاجتماعية مالك الزاهي. وهذا الرقم قابل للارتفاع بالرجوع إلى مؤشرات النمو الاقتصادي المتدنية وتوالي الأزمات الداخلية والخارجية. حيث تواصل على مدى عقود العمل بمنوال اقتصادي تقليدي لا يخلق الثروة، غير قابل للصمود كثيرًا أمام المتغيرات التي يعرفها العالم من خلال اعتماده المباشر على السوق الدولية في قطاعين استراتيجيين هما الغذاء والطاقة.
ويؤكد العديد من خبراء الاقتصاد، أن السنوات الأخيرة شهدت تدني جزء من الطبقة الوسطى التي تمثل العمود الفقري للتوازن الاجتماعي إلى الطبقة الفقيرة بسبب تراجع كبير في القدرة الشرائية الذي خلف ارتفاعاً في أرقام الدين العائلي والتجاء البعض إلى العمل الثاني حتى يوفر المال، ومن المرتقب أن تتراجع نسبة الطبقة الوسطى التي حافظت على تماسكها على مدى عقود وفق بيانات سنتي 1994 و2015 والتي يتراوح معدلها بين 65 بالمائة و70 بالمائة من عدد السكان، إلى حدود 55 بالمائة بسبب تردي نسب النمو والارتفاع المشط لتكلفة الحياة وغياب التنمية المحلية.
وحسب نتائج دراسة أعدها المعهد الوطني للاستهلاك في تونس، فقد اشارت الى أن ثلثي العائلات التونسية لا يمكنها الاستغناء عن القروض البنكية والتداين بجميع أصنافه، وذلك ناجم عن ضعف القدرة الشرائية ومحاولة تحسين ظروف العيش، علما وان تونس أنهت سنة 2022 بارتفاع في نسبة التضخم لتبلغ حاجز 10% وهي أعلى نسبة تضخم شهدتها البلاد في تاريخها الحديث.
بلد غني بالثروات فقير من حيث الدخل
ومن المفارقات الحقيقية التي ينبه اليها العديد من خبراء الاقتصاد في تونس وخارجها، أن تونس بلد غني بالثروة، غير أنه فقير من حيث الدخل، وهو الامر الذي لا يستقيم، ويستدعي العمل على وضع منوال تنموي جديد ، تقوم اهدافه على الرفع من الدخل الفردي للتونسيين ومراجعته ، عبر خلق المشاريع ذات القيمة المضافة ، وادخال اصلاحات عاجلة في التشريعات القانونية لتتكيف مع بعضها البعض ، الى جانب العمل على استقطاب الاستثمارات الخارجية الكبرى ، والحفاظ على قدرة صرف الدينار التونسي وتماسكه امام بقية العملات.
وحسب أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، رضا شكندالي، في تصريح سابق ل"الصباح" ، فأن منوال التنمية الذي تعتمده تونس اليوم وصل إلى الذروة، وبات محدودا وغير قادر على توفير مواطن شغل سواء كان على مستوى القطاع العام أو الخاص.
وبين شكندالي أن منوال التنمية فشل لاعتماده على التفاضلية والاقصاء، موضحا أن هذا المنوال يقصي الجهات الداخلية، إلى جانب اقصائه لجزء كبير من الاقتصاد الموازي، بالاضافة الى اعتماده على السوق الاوروبية.
ويطالب بعض الخبراء الى ضرورة اعتماد منوال يهدف إلى تحسين مناخ الأعمال ، ويعمل على إدماج السوق الموازية في الاقتصاد، إلى جانب العمل على استقطاب الاستثمارات الخارجية الممولة ، دون اللجوء الى الاقتراض ، والتركيز على القطاعات الواعدة ذات القيمة المضافة العالية ، واعادة مؤشرات انتاج الفسفاط ومشتقاته الى سنوات ما قبل الثروة، بالإضافة الى التوزيع العادل في الثروات بين الجهات.
ويشترك جل خبراء الاقتصاد ، اليوم ، في إن تدهور الوضع الاقتصادي، خير دليل على فشل منوال التنمية في البلاد التونسية حيث أصبح من الضروري اليوم مراجعته بصفة جذرية ، وفق قرارات مدروسة تقوم على خيارات متكاملة بين مختلف القطاعات لإرساء مفهوم جديد للاستثمار في تونس، والتنصيص من خلاله على ضرورة الرفع من الدخل الفردي للتونسيين الى مستويات تضاهي ما هو مسجل في الدول الخليجية والأوروبية، علما وان انهيار الدخل الفردي للتونسيين ساهم في تآكل الطبقة الوسطى وانهيارها خلال العشرية الماضية.
إعداد : سفيان المهداوي
تونس- الصباح
تعيش تونس منذ سنة 2011، على وقع تراجع فادح في الدخل الفردي ، في الوقت الذي ارتفع فيه الدخل الفردي في اغلب دول العالم، مما ساهم في تذيل تونس لمراتب متأخرة من حيث الدول ذات الدخل المنخفض،علما وان العديد من الدراسات المحلية والعالمية، قيمت تراجع الدخل الفردي للتونسي الى اكثر من 30 % خلال العشرية الماضية ، وتزامن ذلك مع ارتفاع نسبة الفقر في البلاد الى 16.6٪ خلال سنة 2021, وهو الأمر الذي دعا العديد من الخبراء الاقتصاديين الى ضرورة العمل في أسرع الآجال على تغيير المنوال التنموي للتونسيين ، والقيام بإصلاحات شاملة، من شأنها ان ترفع في حجم الناتج الداخلي للفرد.
وانطلاقا من سنة 2011، لم تتمكن تونس من تسجيل مستويات نمو، من شأنها ان تساهم في خلق الثروة، والرفع من الدخل الفردي للتونسيين الذي بقي لا يراوح مكانه في حدود 5319 دينار تونسي، اي ما يعادل 1715 دولار امريكي بتاريخ 19 فيفري 2023 ، علما وان الناتج الداخلي الخام قد سجل انخفاضا، سنة 2011، بنسبة 2 بالمائة، رافقته الانتدابات المكثفة في الوظيفة العمومية والترفيع الهام في كتلة أجور القطاع العمومي. واستقر النمو، منذ ذلك الحين، عند مستويات منخفضة للغاية تراوحت بين 1 و 2 بالمائة سنويا.
وأظهرت دراسات تم إعدادها منذ 2012، أن نسبة النمو الممكن تحقيقها في تونس لا تتجاوز4 بالمائة سنويا. ولبلوغ مستويات أعلى من ذلك، لابد من إرساء العديد من الإصلاحات القطاعية القادرة على رفع الناتج المحلي الإجمالي ، وحسب دراسات مماثلة قام بها المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية، سنة 2016، فإن النمو المحتمل تحقيقه في تونس يناهز نسبة 3 بالمائة، ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة ، من تنفيذ الإصلاحات اللازمة لدفع الاقتصاد وتحقيق النمو الممكن في تونس جراء انعدام الاستقرار السياسي وغياب الرؤية والإرادة ، مما أدى الى تدهور مستوى العيش وتفاقم البطالة وتدهور القدرة الشرائية.
وفي الفترة الممتدة بين 2011 و 2019، ارتفعت نسبة البطالة من 13 بالمائة من مجموع السكان النشيطين إلى 15.5% بالمائة، وذلك دون احتساب تأثير فيروس كوفيد - 19، وإلى أكثر من 18 بالمائة، باعتبار تأثير هذا الوباء، وانخفض دخل الفرد الواحد، بحساب الدولار وحسب القدرة الشرائية، بنسبة 30 بالمائة، خلال الفترة الممتدة من 2011 الى 2019. وتقلص سعر صرف الدينار التونسي من 0.52 أورو الى 0.30 أورو، ليفقد بذلك أكثر من 40 بالمائة من قيمته.
وتسبّبت جائحة كورونا في انخفاض الناتج الداخلي الخام بحوالي 10 بالمائة سنة 2020، ليمحى بذلك أثر النمو الضئيل المتراكم طيلة السنوات العشر الأخيرة ، وبالنظر إلى هذا الظرف، وإلى الأزمة التي شهدتها البلاد سنة 2020، وتأثرت كافة القطاعات سلبا خاصة منها السياحة والنقل الجوي والبحري والحرف اليدوية ووكالات الإسفار والمقاهي والمطاعم ، دون أن ننسى قطاعات تضررت بشدة منذ 2011 على غرار المحروقات والفسفاط ومشتقاته نتيجة الاحتجاجات الاجتماعية التي لا تنتهي والتي لم تتمكن أي حكومة من احتوائها.
وشهد متوسط دخل الفرد في تونس بين الماضي والوقت الحالي، تغييرات هامة ، حيث شهدت تونس طفرة اقتصادية كبيرة بعد استقلالها عام 1956، ونجحت في تحقيق الأمن الغذائي، حيث بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من الحبوب حوالي 48%، ومن الزيوت حوالي 88%، بينما بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من الماشية 100%، واحتلت الزراعة أهمية قصوى بالنسبة للاقتصاد التونسي، حيث يساهم قطاع الزراعة بنسبة 12.3% من الناتج المحلي، كما انه يعمل على تشغيل 16.3% من الأيدي العاملة.
انهيار الدخل الفردي بعد 2008
وفي عام 2008 قامت تونس بعقد شراكة متكاملة مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما ساهم في تحرير الاقتصاد التونسي بالتوازي مع تحسن الأداء الحكومي، و ارتفاع مستوي معيشة الفرد في تونس أواخر عام 2009، حيث بلغ 5319 دينار تونسي للفرد الواحد أي ما يعادل 4163 دولارا في تلك الفترة، بالمقارنة بعام 2000 كان متوسط دخل الفرد التونسي 2788 دينار تونسي أي ما يعادل 2521 دولارا في تلك الحقبة.
وكان من المتوقع ارتفاع متوسط دخل الفرد في تونس عام 2016، كما توقع الخبراء وصول متوسط الدخل الى 8000 دينار تونسي، وهو ما يجعل تونس الأعلى دخلا على مستوي الدول غير النفطية، إلا ان الاضطرابات السياسية حالت دون ذلك.
وبلغ متوسط دخل الفرد في تونس عام2000 حوالي 2211 دولارا، بينما بلغ متوسط معيشة الفرد في تونس عام 2005 حوالي 3193.20 دولارا ، وفي عام 2008 بلغ متوسط دخل الفرد التونسي 4307.58 دولارا (الأعلى على الإطلاق)، ليصل الى 4264.68 دولارا خلال عام 2011, واستمر الهبوط عام 2015 ليصل متوسط دخل الفرد في تونس الى 3861.69 دولارا.
وظل منحني هبوط متوسط دخل الفرد في تونس مستمرا، حيث سجل البنك الدولي انخفاضا ملحوظا عام 2019، وصل المتوسط الى 3351.57 دولارا سنويا، وعام 2020 بلغ متوسط الدخل 3319.82 دولارا سنويا ، وبالطبع هذه الانخفاضات جاءت نتيجة انخفاض معدل الدخل القومي، وعدم القدرة على إجراء أية إصلاحات اقتصادية بعد الثورة التونسية عام 2010.
تونس من بين دول العالم الأكثر انخفاضا في الدخل الفردي !
ونشر البنك الدولي، مؤخرا ، تقريرا حول اقتصاديات دول العالم للعام الحالي، وصنفها إلى أربع مجموعات، ما بين مرتفع أكثر من 13,205 دولارا ، ومتوسط 4,256 -13,205 دولارا ، ومنخفض 1,086- 4,256 دولار ، ومنخفض جدا أقل من 1085 دولارا ، ويتم تحديث التصنيفات كل عام في غرة جويلية، وتستند تقديرات البنك الدولي الرسمية لحجم الاقتصاديات إلى الدخل القومي الإجمالي المحول إلى الدولار الأمريكي. ومن الدول العربية ذات الدخل المرتفع كانت دول الخليج، الكويت، السعودية، قطر، الإمارات، عمان، البحرين، أما الدول العربية ذات الدخل المتوسط فهي العراق، ليبيا والأردن. وباقي الدول العربية أغلبها في فئة الدخل المنخفض كالمغرب، مصر، لبنان، موريتانيا، جزر القمر، تونس، الجزائر، جيبوتي والأراضي الفلسطينية، وهي يلدان بلغ معدل الدخل الفردي فيها اقل من 4255 دولارا، أما سوريا، اليمن، السودان، والصومال فهي تحت فئة دول الدخل المنخفض جدا، والتي تصل الى اقل من 1085 دولارا.
ويبلغ معدل الدخل الفردي للمواطن الفرنسي 11 يورو في الساعة الواحدة، في المقابل يبلغ معدل الدخل الفردي للمواطن الامريكي 47 دولارا في الساعة الواحدة ، اي ان الاوروبي يتحصل على ما قيمته 90 اورو في اليوم، في حين يتحصل الامريكي على329 دولارا في اليوم.
ويتراوح معدل الدخل الفردي للتونسي كامل اليوم في حدود 15 دينارا تونسيا الى 30 دينارا تونسيا، اي مابين 5 اورو الى 10 اورو ، وهذا لا يكفي اطلاقا لتلبية احتياجاته في بلد يحتوي على ثروات طبيعية هائلة.
كما تصنف أجور التونسيين من اقل الأجور إقليميا، بالإضافة الى انها الأقل على مستوى العالم، في بلد يحقق ايرادات تقارب 39 مليار دولار سنويا ، وبات من الضروري اليوم العمل على مراجعة الأجور ، وتحسين معدل الدخل الفردي للتونسيين ، لتحقيق الاستقرار الاجتماعي ، وضمان حقوق العمال ، علما وان الأجور التونسية لم تشهد تحسنا منذ السبعينات من القرن الماضي، وذلك اثر قرار حكومي في الحط منها لجلب الاستثمارات الخارجية ، وهذا المنوال لم يجلب للبلاد غير البؤس والفقر لعقود طويلة.
وكشفت نتائج المسح الوطني حول الإنفاق والاستهلاك ومستوى عيش الأسر في تونس سنة 2021 ، عن تسجيل ارتفاع في نسبة الفقر الى 16,6 بالمائة سنة 2021 مقابل 15,2 سنة 2015 ، في حين بلغت نسبة الفقر المدقع 2,9 بالمائة، و7.2 بالمائة بالوسط الغربي ، وفي ما يتعلق بنسب الفقر حسب الجهات ، فقد استمرت الفجوة في الاتساع ، وقد لفت المعهد الوطني للإحصاء الى وجود زيادة في معدلات الفقر في جل الأقاليم باستثناء اقليمي تونس ألكبري و الشمال الغربي ،وقد سجل اقليم تونس الكبرى اقل نسبة فقر ب4.7% فيما سجل اقليم الوسط الغربي اعلي نسبة فقر ب37% في 2021.
ويعتبر المسح الوطني حول الإنفاق والاستهلاك ومستوى عيش الأسر من أهم العمليات الإحصائية الدورية، حيث توفر نتائجه بيانات حول الإنفاق على مختلف السلع والخدمات من قبل الأسر المقيمة. وكان من المبرمج انجاز هذا المسح سنة 2020 وفقًا للدورية المعتادة، الا انه نظرا لتداعيات جائحة كورونا تم تأجيل تنفيذه لسنة 2021. وتجدر الإشارة الى ان فترة جمع البيانات الممتدة بين مارس 2021 ومارس 2022 توافقت مع تفاقم الجائحة التي أثرت على الأنماط الاستهلاكية للأسر التونسية، مما يجعل نتائج هذا المسح تعكس، في جانب منها، هذا الظرف الاستثنائي.
متوسط الانفاق السنوي للفرد بلغ 5468 دينارا
وحسب نتائج المسح ، بلغ متوسط الإنفاق السنوي للفرد 468 5 دينارًا سنة 2021، مقابل 871 3 دينارًا سنة 2015، أي بزيادة قدرها 41.3%. ويقابل هذا التطور متوسط نمو سنوي بالأسعار الجارية قدره 5.9% وهو ما يوازي نسبة التضخم المسجلة خلال هذه الفترة مما يجعل الانفاق بالأسعار القارة شبه مستقر مقارنة بسنة 2015. ويتفاوت متوسط الإنفاق السنوي للفرد بشكل كبير بين مختلف الفئات الاجتماعية، حيث يتراوح بين 767 11 دينارًا كمتوسط إنفاق للفرد لدى الخمس الأعلى في سلم الانفاق الاسرى (20% الأعلى إنفاقا)، و014 2 دينارًا لكل فرد من أفراد أسر الخمس الأدنى (20% الأقل إنفاقا)، أي أعلى بحوالي ستة أضعاف.
وعلى مستوى الجهات، سجّلت اقاليم تونس الكبرى والوسط الشرقي أعلى مستويات لمتوسط الإنفاق السنوي للفرد، تقدر على التوالي ب 874 6 و130 6 دينارًا، كما سجلت اقاليم الشمال الغربي والجنوب الغربي أعلى معدلات نمو سنوي خلال الفترة 2015-2021 وذلك بنسب مئوية تقدر على التوالي بـ6% و7.9%.
تغييرات في الإنفاق الأسري
وشهدت هيكلة الإنفاق الأسري سنة 2021 تغييرا يخالف المنحى الذي اتبعته في العشريات السابقة. فعلى سبيل المثال، ارتفعت حصة التغذية في إجمالي الإنفاق من 28.9% سنة 2015 إلى 30.1% سنة 2021 بعد ان عرفت منحى تنازليا لعدة عقود. وبلغت هذه النسبة حوالي 35% بالنسبة للأسر الأقل إنفاقا. من جهة أخرى، تراجعت حصة النفقات المخصصة "للنقل" بثلاث نقاط مئوية سنة 2021، بينما سجلت حصة النفقات الخاصة بـ "الرعاية الصحية والشخصية" ارتفاعا هاما مقارنة بسنة 2015 وذلك تزامنا مع تفاقم الأزمة الصحية.
ارتفاع الفقر في الجهات
في سنة 2021، يُعتبر فقيراً كل شخص لم يتجاوز إنفاقه الاستهلاكي السنوي 5362 ديناراً. وعليه، بلغت نسبة الفقر 16.6% سنة 2021، مقابل 15.2% سنة 2015، و20.5% سنة 2010 و23.1 % سنة 2005 في المقابل استقرّت نسبة الفقر المدقع خلال نفس الفترة، حيث قدّرت بـ2.9%، وهي نفس نسبة سنة 2015. وحسب نتائج المسح ، فقد سجلت الجهات زيادة في نسبة الفقر في أغلب الأقاليم بين سنتي 2015 و2021، وذلك باستثناء اقليمي تونس الكبرى والشمال الغربي، حيث سجل هذا الأخير انخفاضا ملحوظا في نسبة الفقر (من 28.4% في سنة 2015 إلى 22.5% في سنة2021). ولا يزال الوسط الغربي الإقليم الأكثر فقرا في تونس حيث سجلت نسبة الفقر فيه 37% سنة 2021 مقابل 30.8% سنة 2015، وبالتالي تبقى الفجوة بينه وبين اقاليم الشريط الساحلي في مستويات مرتفعة.
بالإضافة إلى ذلك، واستناداً إلى توزيع إجمالي الإنفاق، يعكس مؤشر اللامساواة بين الأفراد أو الأسر على المستوى الوطني تراجعًا طفيفًا في التفاوت، حيث شهد مؤشر جيني (Gini index) انخفاضا الى 35.3 سنة 2021 مقابل 36.5 سنة 2015. ويُعزى هذا الانخفاض بالكامل إلى التراجع الملحوظ في مؤشر جيني لإقليم تونس الكبرى، وذلك نظراً لتراجع الانفاق في عدة مجالات في سياق الجائحة (مثل السفر والترفيه والنقل وشراء البضائع ) بالنسبة للأسر الأكثر إنفاقا، مما أدى الى تقليص التفاوت بين شرائح الانفاق فوق خط الفقر. اما بالنسبة لبقية الجهات فقد شهد مؤشر اللامساواة ارتفاعا في كل الاقاليم.
قرابة 4 ملايين يعانون الفقر
ويقدر عدد التونسيين الذين يعانون الخصاصة والفقر في تونس بحوالي 4 ملايين، حسب تصريح سابق لوزير الشؤون الاجتماعية مالك الزاهي. وهذا الرقم قابل للارتفاع بالرجوع إلى مؤشرات النمو الاقتصادي المتدنية وتوالي الأزمات الداخلية والخارجية. حيث تواصل على مدى عقود العمل بمنوال اقتصادي تقليدي لا يخلق الثروة، غير قابل للصمود كثيرًا أمام المتغيرات التي يعرفها العالم من خلال اعتماده المباشر على السوق الدولية في قطاعين استراتيجيين هما الغذاء والطاقة.
ويؤكد العديد من خبراء الاقتصاد، أن السنوات الأخيرة شهدت تدني جزء من الطبقة الوسطى التي تمثل العمود الفقري للتوازن الاجتماعي إلى الطبقة الفقيرة بسبب تراجع كبير في القدرة الشرائية الذي خلف ارتفاعاً في أرقام الدين العائلي والتجاء البعض إلى العمل الثاني حتى يوفر المال، ومن المرتقب أن تتراجع نسبة الطبقة الوسطى التي حافظت على تماسكها على مدى عقود وفق بيانات سنتي 1994 و2015 والتي يتراوح معدلها بين 65 بالمائة و70 بالمائة من عدد السكان، إلى حدود 55 بالمائة بسبب تردي نسب النمو والارتفاع المشط لتكلفة الحياة وغياب التنمية المحلية.
وحسب نتائج دراسة أعدها المعهد الوطني للاستهلاك في تونس، فقد اشارت الى أن ثلثي العائلات التونسية لا يمكنها الاستغناء عن القروض البنكية والتداين بجميع أصنافه، وذلك ناجم عن ضعف القدرة الشرائية ومحاولة تحسين ظروف العيش، علما وان تونس أنهت سنة 2022 بارتفاع في نسبة التضخم لتبلغ حاجز 10% وهي أعلى نسبة تضخم شهدتها البلاد في تاريخها الحديث.
بلد غني بالثروات فقير من حيث الدخل
ومن المفارقات الحقيقية التي ينبه اليها العديد من خبراء الاقتصاد في تونس وخارجها، أن تونس بلد غني بالثروة، غير أنه فقير من حيث الدخل، وهو الامر الذي لا يستقيم، ويستدعي العمل على وضع منوال تنموي جديد ، تقوم اهدافه على الرفع من الدخل الفردي للتونسيين ومراجعته ، عبر خلق المشاريع ذات القيمة المضافة ، وادخال اصلاحات عاجلة في التشريعات القانونية لتتكيف مع بعضها البعض ، الى جانب العمل على استقطاب الاستثمارات الخارجية الكبرى ، والحفاظ على قدرة صرف الدينار التونسي وتماسكه امام بقية العملات.
وحسب أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، رضا شكندالي، في تصريح سابق ل"الصباح" ، فأن منوال التنمية الذي تعتمده تونس اليوم وصل إلى الذروة، وبات محدودا وغير قادر على توفير مواطن شغل سواء كان على مستوى القطاع العام أو الخاص.
وبين شكندالي أن منوال التنمية فشل لاعتماده على التفاضلية والاقصاء، موضحا أن هذا المنوال يقصي الجهات الداخلية، إلى جانب اقصائه لجزء كبير من الاقتصاد الموازي، بالاضافة الى اعتماده على السوق الاوروبية.
ويطالب بعض الخبراء الى ضرورة اعتماد منوال يهدف إلى تحسين مناخ الأعمال ، ويعمل على إدماج السوق الموازية في الاقتصاد، إلى جانب العمل على استقطاب الاستثمارات الخارجية الممولة ، دون اللجوء الى الاقتراض ، والتركيز على القطاعات الواعدة ذات القيمة المضافة العالية ، واعادة مؤشرات انتاج الفسفاط ومشتقاته الى سنوات ما قبل الثروة، بالإضافة الى التوزيع العادل في الثروات بين الجهات.
ويشترك جل خبراء الاقتصاد ، اليوم ، في إن تدهور الوضع الاقتصادي، خير دليل على فشل منوال التنمية في البلاد التونسية حيث أصبح من الضروري اليوم مراجعته بصفة جذرية ، وفق قرارات مدروسة تقوم على خيارات متكاملة بين مختلف القطاعات لإرساء مفهوم جديد للاستثمار في تونس، والتنصيص من خلاله على ضرورة الرفع من الدخل الفردي للتونسيين الى مستويات تضاهي ما هو مسجل في الدول الخليجية والأوروبية، علما وان انهيار الدخل الفردي للتونسيين ساهم في تآكل الطبقة الوسطى وانهيارها خلال العشرية الماضية.